دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الأحد 1/9/2019 م , الساعة 4:56 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

منظومة الاستبداد العربي .. والمحاكمات

منظومة الاستبداد العربي .. والمحاكمات

بقلم : طه خليفة (كاتب وصحفي مصري) ..

ظهر الرئيس السوداني المعزول عمر البشير في القفص يوم الاثنين 19 أغسطس الماضي في أولى جلسات محاكمته.

القضية التي يبدأون محاسبته فيها تتعلق بالفساد المالي، وهي أضعف القضايا فيما يجب محاسبته عليه، فالفساد السياسي هو القضية الأهم والأخطر في حكمه الذي استمرّ 30 عاماً، لكن لم يتم الاقتراب منها بعد، باعتبارها قضية شائكة ومعقدة حيث تشمل أيضاً الجنرالات الذين يحكمون اليوم، فهم كانوا شركاءه في السلطة، وهم الذين انقلبوا عليه مُضحين برأس النظام تفادياً للضغط الثوري الهائل، وخشية الإطاحة بهم جميعاً.

تصرّفوا كما تصرّف المجلس العسكري في مصر عندما نفض يديه من مبارك حفاظاً على النظام بكل كياناته، ودارت ثورة يناير دورة واحدة سريعة مدتها أقل من عامين ونصف العام ثم طُويت صفحتها، واستبدلت بصفحة أخرى لم يكن يتوقعها أحد.

لا يجب الانخداع بصورة البشير في القفص، ولا اعتبار ذلك نصراً مؤزراً للثورة الثالثة في السودان، فقد سبق وشاهدنا مبارك في القفص، وهللنا للصورة الفريدة يوم 3 أغسطس 2011، واعتبرنا أن مصر تكتب تاريخاً ديمقراطياً جديداً مبشراً لبلدان الربيع ولكل العرب.

فقد كان أول حاكم مصري يتم إسقاطه شعبياً، ثم محاكمته أمام القضاء المدني الطبيعي، وكان أول حاكم عربي يتعرّض لمثل هذه المحاكمة التي توفرت لها عوامل الاستقلاليّة والنزاهة والحياد. وهذه شهادة تُحسب لثورة يناير التي التزمت في كل خطواتها السياسية والقانونية والأمنيّة بالإجراءات الطبيعية الاعتيادية، ولم تلجأ للأحكام العرفية أو القوانين الاستثنائية، حتى قانون العزل السياسي، الذي شرعه برلمان 2012 وبموجبه تقرّر حرمان رموز النظام القديم من العمل السياسي والترشح للانتخابات، أسقطته المحكمة الدستوريّة.

في أولى قضايا محاكمة قضية مبارك المتهم فيها مع آخرين من رموز نظامه بقتل المُتظاهرين في ثورة يناير أُسدلت ستارة المسرح في نهاية ماراثون طويل على براءته من دماء الشهداء.

أُدين بالمؤبد في المحاكمة الأولى، وتمّ نقض الحكم، ونال البراءة في المحاكمة الثانية، ولم يُدن سوى في قضية فساد مالي لا تساوي شيئاً، وهو في بيته الآن مُنعّم مُكرّمٌ، والشهداء في قبورهم والحسرة لأهاليهم وللثوّار المُخلصين، كما أفلت من المسؤولية السياسية عن البلد الذي حكمه ثلاثة عقود وشهد فساداً سياسياً وجموداً ومقاومة ضرورات الإصلاح الشامل.

واللافت مثلاً أن الرئيس الراحل محمد مرسي الذي حكم لمدة عام واحد فقط وجاء بانتخابات حرة نزيهة تمت محاكمته في أكثر من قضية، وصدرت بحقه أحكام طويلة بالسجن، وظل مسجوناً فعلياً 6 سنوات وهي مدة لم يقضِ مبارك نصفها في زنزانة، ولولا وفاته في القفص خلال محاكمته لبقي خلف الأسوار إلى ما شاء الله.

والرئيس العربي الثالث في المحاكمات هو التونسي زين العابدين بن علي الذي يواجه محاكمات في 93 قضية منها 27 قضية عسكرية، وصدرت ضده أحكام بالسجون وصلت إلى 5 مؤبدات، و207 أعوام من السجن، وغرامات ماليّة تبلغ 218 مليون دينار تونسي.

وترجع كثرة عدد القضايا والأحكام على المخلوع بن علي إلى أن تونس البلد الوحيد الذي نجا من مقصلة إعدام الثورات، والبيئة السياسيّة التي تتشكل فيه هى نتاج الثورة وتفاعلاتها، وبالتالي كان صعباً على النظام الجديد أن يتدخل في القضايا أو المُحاكمات.

ورغم كل هذا فلا تشكل هذه القضايا والأحكام والغرامات ضد بن علي أي مساس به، ولا تعتبر نصراً مؤزراً، ولا قصاصاً سيكون محل التنفيذ، فهو هارب في السعودية، ومحمي منها، وهي لن تسلمه لتونس أبداً رغم مطالباتها بتسليمه، وسيظل في ملاذه الآمن مهما كانت العلاقات طيّبة بين تونس وبين المملكة الحاضنة للمستبدّين العرب.

تأثير الأحكام على زين العابدين بن علي أخلاقي وأدبي فقط، ولن يتعدّى ذلك إلى الجنائي حيث لن يدخل زنزانة، كما أنه لا تأثيرات سياسية لتلك الأحكام على حياته ومستقبله فقد انتهى سياسياً وللأبد يوم سقوطه في 14 يناير 2011.

أما بشار الأسد الرئيس السوري الذي لا يزال في الحكم، فهو وفق توصيفات عديدة قانونيّة معتبرة ارتكب جرائم حرب ضد شعبه يتوجب محاكمته عليها دولياً، لكن في ظل حماية بلدان كبرى له أهمها روسيا فلن تطاله يد العدالة، ومنظومة الاستبداد العربي قد تعمل على حمايته، ولا تدفع باتجاه محاسبته يوماً، رغم الخصومة بين أطراف فيها وبينه، وهو نموذج شديد الفجاجة في تحصين الحكام من المحاسبة والعدالة في عالم مختل الموازين رغم بحور الدماء التي تسيل بسببهم.

وفي اليمن فقد غادر علي عبدالله صالح الحكم دون أي محاسبة حيث حصل على حصانة كاملة وشاملة من المحاكمة في اتفاق خروجه من السلطة، ولم يسكت فقد تلاعب باليمن وتحالف مع الحوثيين أعدائه بالأمس للانقلاب على الشرعيّة ثم كانت نهايته المأساوية على يد الحليف عندما أراد ممارسة هوايته بالانقلاب عليه.

نظام حكم الفرد العربي يثبت أنه أقوى من فريق دعاة الحرية والديمقراطية في المنطقة، فالأول نجح في الحفاظ على كيانه مع زلزال الانتفاضات، واستعاد ما فقده من نظم إلى حضنه، والثاني بدا ضعيفاً مشتتاً متصارعاً مع نفسه يبحث عن أهداف صغيرة متغافلاً عن الأهداف الكبرى الأهم، وقد انتهى إلى الدخول في نفق الأزمة باستثناء تونس، وهذا الفريق يناضل في السودان والجزائر بلدان الموجة الثانية من الربيع حتى لا يواجه نفس المصير.

منظومة الاستبداد تؤكد أنها أشد إخلاصاً في الدفاع عن رموزها، ومنهم البشير اليوم، الذي عاجلاً أم آجلاً سيكون خارج السجن مثل مبارك، أو تتوفر له استضافة خارجيّة مُريحة مثل بن علي.

في بلاد العرب يُحاسبون مواطناً يسرق رغيفاً، ويفلت من الحساب حاكمٌ يسرق وطناً.

                   

tmyal66@hotmail.com

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .