دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 5/8/2019 م , الساعة 3:54 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

رجاء النقاش الذكرى التي لا تزول

رجاء النقاش الذكرى التي لا تزول
بقلم - جهاد فاضل

كنّا صديقَي عُمر وصديقَي فكر، وإذا استعرتُ من شكيب أرسلان عنوان كتابه عن أمير الشعراء «شوقي أو إخاء أربعين عاماً» أمكنني أن أكتبَ كتاباً مثله عن رجاء النقاش وصلتي الشخصية والفكرية التي استمرّت معه زمناً يقرب من زمن شوقي وشكيب. فقد تعرفت به لأول مرة في بيروت في منزل الصحفي الفلسطيني مازن البندك في أواخر الستينيات من القرن الماضي عندما دعاني مازن ودعا معي نفراً من المُثقّفين والصحفيين ومن اتّجاهات مُختلفة منهم منح الصلح إلى سهرة في منزله في آخر شارع فردان تكريماً لصحفي مصري يعمل في مجلة المصور، وكان مازن مراسلاً للمجلة في بيروت.

كانت تلك هي المرة الأولى التي أرى فيها رجاء أو ربما أسمع باسمه. امتدت السهرة حتى مطلع الفجر. وكانت نموذجاً للحيوية التي كانت تطبع مجالس المثقفين والمناضلين العروبيين في بيروت في تلك الفترة الصاخبة من تاريخها. ومنذ اللحظة الأولى انعقدت بيني وبين رجاء مودة لم تنقطع أو تفتر بعد ذلك. فقد بدا لي وكأنني أعرفه منذ زمن طويل. ومن عرف طيب تلك السجايا، وما تنطوي عليه الذات الرضية المطبوعة على مكارم الأخلاق، لا يمكن أن ينسى صاحبها بسهولة. وزاد في سرعة نفاذ تأثيره إلى مجالسيه تلك الليلة عروبة صافية متآخية مع مصرية لا تعرف الانعزال والانغلاق. في تلك الفترة كان منح الصلح يسحرنا بحديثه عن «تعريب مصر وتمصير العرب» ثنائيتان ضروريتان لا انفكاك بينهما، فلا عروبة بلا مصر ولا مصر أو مصرية بلا عروبة. وكان التعريب والتمصير مدخلاً إلى الحلم الذي كان يراود قلوبنا وعقولنا وهو حلم النهضة العربية. وكنا أنا ورجاء ممن يهدهدون هذا الحلم ويحلمون بوطن عربي من الخليج إلى المحيط.

واستمرت علاقتي برجاء النقاش بعد ذلك قوية كما تكون العلاقة بين صديقين تجمعهما أهداف واحدة. فلم أطأ يوماً أرض الكنانة إلا وكان بيت رجاء مقصدي بدون هاتف أو علم. وكثيراً ما أمضينا السهرة معاً في منزله أو في مطاعم ومقاهٍ قريبة أو بعيدة ومعنا الطيب صالح الذي كان يصادف وجوده في القاهرة. والتقينا ما لا يُحصى من المرات في الرياض والدوحة وبغداد وأصيلة في المغرب. في إحدى زياراتي إلى الدوحة، قال لي الطيب صالح وكان مديراً للإعلام في قطر إن رجاء قد وصل اليوم مع مجموعة من الصحفيين وسيمضي عدة أسابيع في الدوحة سعياً لإطلاق جريدة جديدة. وأمضينا بعد ذلك أسبوعاً انصبّ العمل فيه على رسم ملامح الجريدة وشخصيتها وكل ما يتصل بها وكانت معنا نخبة من المثقفين القطريين.

ورأيت رجاء لآخر مرة في الكويت في ندوة دعتنا إليها مجلة «العربي» كان الفارس قد ترجل عن جواده، ولم يكن قد بقي في الذات ما كانت تفيض به زمن المسرّات والعطاءات. وكان واضحاً لكل من شاهد رجاء في تلك الندوة أن أيامه باتت معدودة وما أن عاد بعد ذلك إلى مصر حتى كان يهيئ نفسه للقاء خالقه.

وإذا كانت صلتي برجاء قد امتدت زمناً طويلاً، فإن جوهرها لم يكن مقتصراً على الحلم القومي العربي الذي جمعنا معاً، بل كان هذا الحلم بعضاً من غذاء الروح لكلينا ولم يكن كل هذا الغذاء. فبعد زيارة رجاء لبيروت في الستينيات دعاني صاحب «الحوادث» سليم اللوزي لتسلم القسم الثقافي في مجلته وهكذا باتت زيارة القاهرة ضرورة من ضرورات العمل، وكانت القاهرة تعني من جملة ما تعني لي لقاء رجاء والانتفاع بعلمه وتجربته وتصويب ما أعلم. وعندما أهديته ذات يوم كتاباً لي كان صادراً حديثاً عن الأدب الحديث في لبنان تناوله وقال لي: هل تقرأ مجلة «الوطن العربي»؟ اقرأ خلال الأسابيع المقبلة مقالات لي حول بعض ما ورد في كتابك.

كتب رجاء بعد ذلك عدة مقالات عن هذا الكتاب في مجلة الوطن العربي بعضها فيما أذكر عن حركة أبولو وعن حركة مجلة شعر. وإن أنسى لا أنسى إشاراته لي في مقالاته الأسبوعية التي كانت تنشرها له «الأهرام» صباح كل أربعاء. فقد كان يعرض لبعض ما يُنشر لي في الصحافة العربية ويعلّق عليه في هذه المقالات. وكان واضحاً أننا نتشارك قناعات واحدة فكرية وأدبية وثقافية، بل كأننا شخص واحد أو روح واحدة في شخصين لفرط ما تماثلت أهدافنا وقيمنا وأفكارنا ومطالبنا. كان رجاء النقاش في منتصف القرن الماضي كاتباً وناقداً كلاسيكياً وطليعياً معاً، تقليدياً وحداثياً، ولكن مقدراً أيما تقدير للتراث العربي ولرموزه، ولكن فجأة هبّت على الأدب العربي المعاصر عاصفة عاتية أطلق عليها أصحابها اسم «الحداثة» أنكرت وجود أية شرعية أو أهمية خارجها. فما يقع خارجها هو التقليد ولأن هذا هو اسمه فلا لزوم له ولا معنى. وكان من الطبيعي لرجاء النقاش أن يتصدّى لهذه العاصفة البربرية ولو بالدبلوماسية والمرونة اللتين يعرفهما قارئه فيه، وأن يتابع طريقه استناداً إلى قوله عز وجل: «أما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكثُ في الأرض».

في تلك الفترة كان رجاء يقول لي ضاحكاً: «إن الحداثة نجاسة» فأجيبه إن موجة الحداثة السريعة العطب لا يمكن أن تستمرّ، أما الحداثة كقيمة فنية وكموقف وكبوصلة فهي من لزوميات الأدب العربي على الدوام. أمّا الحداثة/ النجاسة فغير مُنفصلة عن مساعي أعداء الثقافة العربية وفي طليعتهم السياسي المقنّع أدونيس الذي رفضه رجاء في مقال مشهور له.

لم يعشْ رجاء ليشاهد مصرع «الحداثة/ النجاسة» التي كان يكرهها، وإنما ترك وراءه إرثاً ثميناً من الأبحاث والدراسات الرصينة الموزّعة على كتب شتّى له، كما ترك عشّاقاً لأسلوبه الذي لم يكتب في سحره إلا القليل من الكتاب الكبار. ونتابع في عددٍ قادمٍ.

كاتب لبناني

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .