دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الثلاثاء 6/8/2019 م , الساعة 3:44 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .
الصفحة الرئيسية : اّراء و مقالات : المنتدى :

ما للعسكريين للعسكريين وما للمدنيين للمدنيين

ما للعسكريين للعسكريين وما للمدنيين للمدنيين

بقلم - د. خالد التيجاني النور

لا شك أن التوقيع بالأحرف الأولى على الوثيقة الدستورية بين المجلس العسكري الانتقالي وائتلاف قوى الحرية والتغيير الأحد الماضي، في انتظار التوقيع النهائي عليها بعد أسبوعين، خطوة مهمة وضرورة لم يعد ممكناً الهروب منها في ظل استمرار احتقان الوضع السياسي والاجتماعي في السودان الذي يعيش في حالة فراغ دستوري وحكومي لأكثر من أربعة أشهر منذ سقوط النظام السابق، ولكن مع هذه الأهمية التي تكتسبها لدواع موضوعية عديدة، إلا أنها مع ذلك ليست سوى بداية في طريق طويل محفوف بالكثير من التحديات والمخاطر في طريق استعادة الدولة السودانية المختطفة من قبل الأنظمة العسكرية الشمولية التي سيطرت على الحكم في البلاد لاثنتين وخمسين عاماً من عمر الدولة الوطنية المستقلة لثلاثة وستين عاماً، وبناء حكم مدني مؤسسي يقوم على جذور راسخة من حكم القانون والعدالة والكفاءة والمواطنة المتساوية.

جاء ميلاد هذا الاتفاق عبر مخاض طويل ومرير من التفاوض بين الطرفين، وسفك دماء مبالغ فيه حتى بلغ الذين قتلوا جراء عنف القوات النظامية ضد الثوار السلميين بعد سقوط النظام بأكثر من أربعة أضعاف ضحايا الاحتجاجات قبل سقوطه، ومن المهم التأكيد على أن هذا الاتفاق ليس هو الأمثل الذي انتظره الجيل الجديد من الشباب الذين قدموا تضحيات غالية من أجل تحقيق تغيير جذري شامل، كما أنه ليس الأفضل دون بلوغ سقف أحلام التغيير الكبيرة أدنى بقليل، بل هو اتفاق الأمر الواقع، أو الممكن، الذي فرضته معادلة توازن القوى الراهن بين القوى العسكرية من جهة والقوى المدنية الثورية من جهة ثانية، بعد استنفاد كلا الطرفين محاولات تحسين مواقفهما التفاوضية خلال ألأشهر الأربعة الماضية خلال جولات المفاوضات المتعددة التي اتسمت بالتعثر في لحظات مفصلية.

فالمجلس العسكري الانتقالي، الذي تحوّلت أجندته الذاتية وبفعل التأثيرات الخارجية عليه أيضاً بمرور الوقت من مجرد وسيط عابر أسهم في إنهاء سلطة النظام القديم كوسيط عابر لنقل السلطة لنظام جديد، إلى ساع بقوة ليكون شريكاً فاعلاً في تشكيل وإدارة الفترة الانتقالية بحجة أنه شريك أصيل في الثورة وما كانت لتنجح لولا تدخله، ممّا حوّله في نظر الثوار إلى امتداد للنظام البائد ليصبح تسليم السلطة للمدنيين هو هدف القوى الثورية الجديد، ولذلك عمد في مواجهة مقاومة توجهاته هذه إلى استخدام قوته «الصلبة» لتجريد الثورة الجماهيرية من قوتها «الناعمة» التي تمتلك الشارع فاستخدم العنف المفرط لفض «الاعتصام» في محيط القيادة العامة، مما نجمت عنه مجزرة مأساوية، وتكررت الانتهاكات وتزايد الضحايا حتى أصبح مطلب التحقيق في هذه الجرائم مطلباً لا يمكن التنازل عنه، ومن جهتها اعتمدت قوى الثورة على تحريك الشارع في عدد من المظاهرات المليونية لإثبات سلطة الشارع، وقادت هذه المحاولات لتحسين المواقف التفاوضية إلى إدراك الطرفين أنه لا سبيل في ظل توازن القوة الراهنة إلى تعديل كفة أحدهما بصورة حاسمة، مما فتح الطريق لتنازلات متبادلة أنتجت «اتفاق تعايش» مؤقت بين العسكريين والمدنيين لإدارة الفترة الانتقالية، حقّقت لكل طرف جانباً من أجندته.

والمعادلة التي بنيت عليها هذه الاتفاقية بشأن الوثيقة الدستورية تشير بوضوح إلى ترك ما للعسكريين للعسكريين، وما للمدنيين للمدنيين، مع شراكة في المجلس الرئاسي بين الطرفين تمنح العسكريين أفضلية قيادة الدولة للواحد وعشرين شهراً المقبلة تبدأ من تاريخ التوقيع النهائي على الوثيقة، دون أن تحسب عليهم فترة الأشهر الأربعة الماضية، وهي تعادل فترة السنتين اللتين اقترحهما المجلس العسكري ابتداءً كمدة للفترة الانتقالية، والثمانية عشر شهراً التالية تنقل القيادة للمدنيين، والملاحظ أن اقتسام المهام والصلاحيات بين الطرفين جرى تضمينه بتوازن دقيق يمنع السيطرة الكاملة لطرف على حساب طرف آخر، غير أن المكسب الأهم الذي خرج به العسكريون هو نجاحهم في إبعاد المدنيين من لعب أي دور في إصلاح وإعادة هيكلة القوى النظامية فقد أسندت بالكامل للمؤسسة العسكرية، وترك للمدنيين مهمة إصلاح المؤسسات المدنية، أما الطرف الأكثر ربحاً من هذا الاتفاق فهو قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان حميدتي الذي نجح في الاحتفاظ بوجود قواته المثيرة للجدل واستمراريتها كقوة نظامية مستقلة عن الجيش، وعلى الرغم من النص على تبعيتها للقائد العام للقوات المسلحة، إلا أنها لا تعدو أن تكون مسألة شكلية، فهو على أية حال الوضع نفسه الذي كان تتمتع به في ظل الرئيس السابق عمر البشير، بالإشارة إلى أن رئيس المجلس العسكري الحالي عبد الفتاح البرهان هو من يتولى منصب القائد العام.

وجاء توقيع الاتفاق والطرفان ليسا في أحسن حالاتهما، فالمجلس العسكري على الرغم من سيطرته الظاهرة، إلا أن إعلاناته المتكررة حتى الآن عن وقوع نحو خمس محاولات انقلابية تشير إلى حالة تململ داخل القوات المسلحة حيال الأوضاع الراهنة المتسمة بالسيولة، وكذلك التأثيرات العكسية للسيطرة والدور الذي تلعبه قوات الدعم السريع على حساب الجيش، ولذلك فالمجلس أصبح في حاجة لاتفاق سريع باتجاه نقل جزء من سلطاته للمدنيين يخفف به المخاطر على وحدة وتماسك الجيش، أو حتى تكرار المحاولات الانقلابية، أما بالنسبة لقوى الحرية والتغيير فقد جاء التوقيع ليعبّر عن مجموعة معتبرة من الائتلاف، ولكن ليس بمشاركة كل أطرافه، فالحزب الشيوعي الذي يتزعم تحالف قوى الإجماع الوطني أعلن انسحابه من مسار التفاوض وانتقاله لمعارضة الحكومة الناتجة عنه، وتأثر تماسك الائتلاف سلباً أيضاً بإعلان الجبهة الثورية -التي تضم الحركات المسلحة، والمنضوية تحت تحالف نداء السودان أحد جناحيه الرئيسين- رفضه للاتفاق لعدم تضمينه اتفاقاً كانت توصلت إليه مع بعض أطرافه بخصوص عملية السلام.

على الرغم من كل هذه التعقيدات المحيطة بالتوصل لهذا الاتفاق والمخاطر المحدقة به، فقد وجدت ترحيباً من الشارع السوداني الذي استبطأ حدوثه في ظل تردي أوضاعه المعيشية، ومع الدعم الإقليمي والدولي الذي حظي به الاتفاق إلا أن ذلك لا يمنح ضمانة كافية لتنفيذه في بلد ظلت الممارسة السياسية فيه معروفة بالتمادي في نقض العهود والمواثيق بين القوى السياسية، كان نتاج آخرها في اتفاقية السلام الشامل أن فقدت البلاد وحدتها بانفصال جنوب السودان.

كاتب وصحفي سوداني

khalidtigani@gmail.com

شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .
جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .