دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الخميس 8/8/2019 م , الساعة 4:08 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
الصفحة الرئيسية : اّراء و مقالات : المنتدى :

دروس وعبر من المشهد السوداني

دروس وعبر من المشهد السوداني

بقلم - د. علي محمد فخرو

يمثل السُّودان في هذه اللحظة أنموذجاً في العمل السياسي الجماهيري يستحق أن يُشار إليه بالفخر والاعتزاز من جهة، وبالإشارة إلى المثالب من جهة أخرى.

فذلك الحراك الجماهيري السلمي المبهر حافظ على سلميته بالرغم من كل الاستفزازات التي أرادت إدخاله في حلقة العنف، واتصف بالنّفس الطويل في نضاله المرير ضد النظام السابق، وتشرّف بالدور الهائل الذي لعبته المرأة السودانية الواعية الجريئة في تجييشه وصموده وتضحياته، وتجنّب الفسق والفجور في خصومته، وأشرك عدداً كبيراً من كل أطياف المجتمع في تكوينه، وأفسح المجال الواسع لشبابه، هذا الحراك، إذن، فيه الكثير من الدروس لبقية الحراكات العربية الأخرى.

من هنا يستحق قادة ذلك الحراك وجماهيره التهنئة على الإنجاز الجديد المتمثل بالتوقيع على الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية مع قيادة المجلس العسكري السوداني الانتقالي، الذي هو الآخر يجب أن يشكر على تصرفه المسؤول تجاه مطالب شعبه الديموقراطية العادلة.

ومع كل ذلك دعنا نشير إلى مجموعة من النّقاط نعتبرها هامة، وجديرة بأن تؤخذ بعين الاعتبار حتى يصبح إنجاز ذلك الحراك التاريخي في أبهى صورة.

أولاً، أثار الانتباه إلى أن الوثيقة، عندما وضعت تعريفاً لطبيعة الدولة السودانية، تجنبت ذكر صفتها الأساسية التي بناها تاريخ السودان عبر خمسة عشر قرناً ورسختها لغة أهل السودان وثقافتهم وجغرافيتهم ومصالحهم العليا، صفة أن السودان دولة عربية. ليس هذا التجاهل بالأمر الصغير، وهو ينسجم، دون قصد بالطبع، مع التوجُّه الأمريكي – الصهيوني الذي عمل ولا يزال يعمل على إسقاط صفة الانتماء العربي من دساتير كل الأقطار العربية، كجزء من إلغاء الانتماء القومي العروبي لكل الشعوب العربية وتدمير الأمل في وحدة الأمة العربية المجزأة في المستقبل.

نحن القوميون العروبيون نأمل أن يتمّ تصحيح الأمر في دستور السودان الدائم الذي سيوضع في المستقبل القريب، كما نصّت الوثيقة. كما نأمل تصحيح تجاهل الالتزامات القومية للمصالح العربية المشتركة عند وضع السياسة الخارجية لجمهورية السودان من قِبل أجهزة الدولة في الفترة الانتقالية، والتي نصّت الوثيقة على وضعها حال تكوُّن الحكومة الجديدة والمجلس التشريعي الجديد.

إن إثارة هذا الموضوع لا يقلّل من إعجابنا بالروح الديموقراطية العالية التي شملت كل الوثيقة والاهتمام الشديد بجوانب الحقوق الإنسانية ومبادئ العدالة والحريات العامة والتعددية والمساواة في المواطنة وإعلاء شأن القوانين. والواقع أن كل ذلك سينقل جهورية السودان الشقيقة إلى مستوى عال من تحقق المتطلبات الديموقراطية الحقيقية العادلة، لا للرجل السوداني فقط وإنما أيضاً، وبخطوات وإجراءات مذهلة، للمرأة السودانية المناضلة الرائعة.

ثانياً - يحتاج الإنسان، حتى في ظروف الاحتفالات والأفراح الحالية، بالتذكير بدروس المجتمعات الأخرى بشأن موت الديموقراطية التدرّجي المستتر وراء ألف قناع وحيلة.. التذكير بأن موت الديموقراطيات في الماضي القريب كان يأتي على يد العساكر أو الإيديولوجيات الفاشية أو التدخّلات التآمرية الخارجية.

لكن في الآونة الأخيرة رصد الكثيرون من الكُتاب، خصوصاً في الغرب الديموقراطي، بدء موت الديموقراطية التدريجي على يد شخصيات مهزوزة نرجسية مثل الرئيس الأمريكي الحالي، أو متلاعبة بالعواطف الوطنية مثل بوريس جونسون، رئيس وزراء بريطانيا الجديد، أو القيادات الشعبوية الغوغائية المتعصّبة ضدّ الأغراب كما أفرزتها العديد من الانتخابات في العديد من الدول الأوروبية مثل فرنسا وإيطاليا والنمسا وهنجاريا وغيرها.

وقبل ما نراه في الغرب حالياً عرفت العديد من بلدان أمريكا الجنوبية رجالات سياسة جاؤوا عن طريق الانتخابات الديموقراطية لينقلبوا على الديموقراطية الحقيقية ويمارسوا أساليب دكتاتورية تسلطية لحكم بلادهم، وذلك باسم ديموقراطية مزيّفة.

ذلك أن الدساتير والقوانين لاتحمي وحدها الديموقراطية، كما نراه كمثل صارخ يجري في الولايات المتحدة تحت نظام الحكم الحالي. الديموقراطية تحتاج أيضاً، لكي تتجذّر في المجتمعات، تعايش القوى السياسية وقبولها للاختلافات فيما بينها بتسامح، واعتبار بعضها البعض كقوى شرعية متنافسة وليست كقوى متصارعة في معركة حياة أو موت. الديموقراطية تحتاج ثانياً إلى سياسيين يمارسون الانضباط في خطوات تحقيق شعاراتهم، ولذلك فممارسة سياسات الاستقطابات الحادة هي بداية موت الديموقراطية.

نذكّر بذلك حتى لا نقع في الاعتقاد الخاطئ بأن الوثيقة التي وُقع عليها مؤخراً ستكون كفيلة بحماية الديموقراطية الوليدة. حماية الديموقراطية تحتاج في الدرجة الأولى لممارسين ديموقراطيين. والذي قرأ تاريخ السياسة في بلاد العرب يعرف جيداً ماذا يعنيه هذا التنبيه الذي نقوم به.

حفظ الله السودان وشعبه للمساهمة في نقل أمتهم العربية إلى مرافئ الديموقراطية من خلال الاقتداء بتجربة فذّة مُبهرة.

كاتب ومفكر بحريني

شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .
جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .