دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الأربعاء 11/9/2019 م , الساعة 12:32 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

قراءة في تاريخ النقابات

قراءة في تاريخ النقابات

بقلم / توجان فيصل - كاتبة أردنية :


لافت دور النقابات في الأحداث السياسيّة في العالم العربي، وبخاصة في الأردن مقابل دور ضئيل وشكلي مزعوم للأحزاب. وهذا لا يقتصر على الأردن، بل هو جزء من مسار تاريخي عربي وعالمي، تفيد الحالة الأردنية في فهمها عربياً وعالمياً لكون الأردن بلداً عربياً، وأيضاً لكون قيام الدولة الأردنية جرى على مسطرة ونموذج (دستور) غربي، ولكن مع بعض «التحريف المتعمّد» لكون سلطة الاحتلال البريطاني («الانتداب» كما أسميت مع أن أهل البلاد لم ينتدبوا هؤلاء لتولي أمورهم) هي من وضعت أسس الدولة التي قامت، لأول مرة منذ الفتح الإسلامي، بصورة منفصلة عن إقليمها العربي المتمثل بسوريا الكبرى.

والتحريف لم يأتِ لكون الأردنيين جهلة بأنظمة الحكم، بدلالة أن الأردنيين قبل قيام الدولة، ممثلين بزعماء عشائرهم كافة، طالبوا سلطات الانتداب في مؤتمر عقدوه في «أم قيس» بإقامة إمارة مستقلة في بلادهم بدستور كدستور دمشق المنقول عن الدستور البريطاني، والذي قدمته بريطانيا للمملكة العربية السورية التي لم تدم لأكثر من أربعة شهور. ولكن بريطانيا رفضت مطالب زعماء الأردن بزعم أن الأردنيين لم يتأهلوا بعد لحكم أنفسهم بأنفسهم. ولكن بعد قلاقل عديدة وعميقة في أولى سنوات قيام الإمارة، حصل الأردنيون على دستورهم المشابه للدستور البريطاني عام 1952 في فترة حكم الملك طلال بجهد ساسة ومشرّعين أردنيين متميّزين احتووا الحالة الشعبيّة.. والأردنيون يسمونه «دستور طلال» وفاءً للملك الذي ساندهم في مطلبهم.

ومع أن الغرب الديمقراطي (ومنه بريطانيا) بات يحكم بانتخابات تتنافس فيها أحزاب، إلا أن التصويت الشعبي ليس ملزماً في جلّه بالتبعية الحزبية. فالأحزاب هي مستجد على الساحة العالمية، فيما النقابات هي بيوت التمثيل الأصل للفئات الشعبية لجهة مصالحها، ولكن أيضاً لجهة «تخصصها» ودرايتها بكافة الأنشطة المكوّنة للاقتصاد وبالتالي للسياسة في العصر الحديث ومنذ الثورة الصناعية التي نقلت أوروبا (ومن بعدها آسيا وبقية العالم باستثناء بؤر متخلفة بتواطؤ استعماري) لعصر النقابات. والأخيرة بدأت «عمالية» للمطالبة بتحسين أوضاع العمال الذين تشكلوا من عبيد الإقطاع (الزراعي تاريخياً) الذي تشرذم في العهد الصناعي، ولكن أمكن توحيده في النقابات. والنقابات هي أصول تشكيلات الأحزاب المسماة يسارية في أوروبا. وهي قويت لكون النقابات التي بدأت «عمالية»، تطوّرت لتصبح «مهنية» مع تطور العلوم وتشعّب وسائل الإنتاج وتخصصاتها، وبدخول مهن كانت وحدها «معتبرة» وبالتالي مقتصرة على الطبقة البرجوازية (في مقدمتها الطب والقانون والرتب ما فوق جندي في الجيش الأخيرة وحدها لا يمكن ولا يجوز تنظيمها نقابياً)، فلم تعد النقابات فقط «عمالية» تقتصر على من كانوا عبيداً للإقطاع، بل ظهرت النقابات «المهنيّة».

والمهنيون شكلوا طبقة رأسمالية نافست وتفوقت على الإقطاعية. ولهذا لزم، مقابل تشكيل أحزاب عمالية «يسارية» أو مهنية «وسطية» من عمال ومهنيين، تجمع بقايا الإقطاع في أحزاب «محافظة». وقسمت المجالس النيابية في بريطانيا (وفي مستعمراتها فيما أسمي «كومونويلث» للحفاظ ما أمكن على نفوذ بريطاني ناعم أو مستتر فيها) لمجلسين، مجلس العموم ومجلس اللوردات. ورديفات هذه امتدّت لملكيات أخرى وأيضاً للولايات المتحدة، بدرجات متفاوتة من الديمقراطية، أو تغييب الديمقراطية، تنخفض في العالم الثالث ليصبح كرديفه في مجلس اللوردات «معيناً» وليس منتخباً. وفي الحالة الأردنية، حيت تمّ حل آخر مجلس نيابي منتخب بنزاهة وفرض الأحكام العرفية عام 1952، أبقي على مجلس الأعيان فقط.. لحين انتفاضة نيسان 89 التي أنهت - جزئياً - عهد الأحكام العرفيّة الذي استمرّ لأكثر من خمسة وثلاثين عاماً (بقيت تلك الأحكام سارية بنصها القديم لنهايات مدة ولاية المجلس النيابي المنتخب إثر الانتفاضة).

وتجذّر النقابات في عالمنا العربي يسبق طويلاً ظهور النقابات العماليّة في أوروبا في القرن السابع عشر بعد انطلاقة الثورة الصناعية - كلمة «نقيب» تعني في المعاجم العربية «من ينقب عن أصل قومه ويفتش في شؤونهم ويستدل أخبارهم»- وذلك لكون العالم العربي كان أكثر تطوراً من أوروبا صناعياً وثقافياً تحديداً منذ العصر العباسي الذي قامت فيه «تنظيمات حرفية تقوم بتعليم وحفظ المهنة أو الحرفة وتحافظ على مستويات عادلة لأسعار المنتجات الحرفيّة، وللأجور، وتقوم بتنظيم الجوانب الاجتماعيّة للحرفيين والعمّال من خلال عقد تأسيس يحدّده العرف، ويؤدّون القسم على حمله واحترامه، وسمي هذا العقد بالدستور، ويقسمون كذلك على احترام قيم وتقاليد العمل والحرفة».. حسبما يورد المستشار النقابي البحراني محمد المرياطي. (ترجمة الدستور الحديثة لمعنى «عقد الحكم» دلالة على درجة احترامه منذ البداية بحيث أصبحت كلمة «دستور» ترد تحفظاً من خطأ فادح). واستمرّ هذا في عهد الفاطميين حيث وضع للنقابة تعريف يماثل التعريف العالمي الآن، ومنه للعهود المملوكيّة والأيوبيّة وصولاً للعهد العثماني.. أي السابق مباشرة لقيام دول حديثة فيما كان منطقة نفوذ العثمانيين. وبعودة للحالة الأردنية، نجد أن النقابات، كونها وحدها المنتخبة من قواعد شعبيّة وتضيق فيها إمكانية التدخل الحكومي وإن لم تنعدم، قامت بدور الأحزاب في الفترة العرفيّة. وهذا كان خياراً ذكياً للملك حسين، كون منابر النقابة التي فتحت لغير النقابيين أيضاً، أجلّت الانتفاضة الشعبيّة في طلب عودة الحياة النيابيّة، وخففت من حدتها حين قامت ربيع عام 1989. ورغم التقييد المتصاعد للنقابات، ظلت لحد ما أداة التنفيس وجرس الإنذار المبكر لأي توتر، بعكس مجالس النواب الأخيرة المدانة شعبياً بمثل ومراراً بأكثر من إدانة الحكومات.. بدلالة أن الشارع لم يعد يعترف بمجلس النواب، وتكرّر رفضه للاعتصام لديه، رغم حثّ الحكومات للشعب على هذا!

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .