دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الخميس 12/9/2019 م , الساعة 1:27 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

المُثُل الجميلة، وأشباح «الانكسارات»!

المُثُل الجميلة، وأشباح «الانكسارات»!

بقلم / أ.د. عمر بن قينه - كاتب جزائري :

أحاول أن أتجنّب الحديث في الهم الاجتماعي والسياسي، خلال جلسات الطعام، في البيت خصوصًا، لكنه همّ وقح؛ فما أن يرى كوّة حتى يتسلّل منها: ناعمًا أحيانًا، معربدًا غالبًا!

حدث شيء من هذا فجر يوم وقد نزلت لتناول (قهوة الصباح) فوجدت الحفيد (عمر) ذا السبع سنوات مع جدّته التي يخاطبها (مامي) فوضعت يدي على رأسه حين أقبل عليّ مسَلّما؛ فقلت: لقد استيقظتَ باكرًا! فقال: استيقظت قبل الجميع، قالها وهو يعود إلى: كرسيّه أمام الطاولة، متابعا ما تدور به أصابعه على (الأيباد).

لا أدري كيف اقتحم (الهمّ السياسي) جلستنا، وأنا أعبّر عن أملي في هزيمة زمن (السوء السياسي) ليبني الجيل الجديد وطنه، للعمل قيمته وللمسؤولية رجالها المخلصون، يحترمهم الشعب، بحب، فالتفتّ مخاطبا (الحفيد): ستكون أنت يومًا رئيس الجمهورية المخلص؛ فرفع رأسه قائلاً بهدوء: لا! أنا أريد أن أكون مثلك !

ذهلتُ! بينما علقت(جدّته) حانية عليه: (بإذن الله)! فتساءلت في نفسي: ما (مُثُل هذا الصغير) الذي يمقت (منصب الرئيس)؟! ثم أيّة (قدوة) ينشدها في (جدّه)؟ بمعايير هذا الزمن البائس؟ فلا هو ذو مال ولا سلطة، يعيش قانعًا بتقاعده بعد (32سنة) في التدريس بالجزائر و(14سنة) (خارجها) مع حقوق في مؤلفاته، يحجب معظمها ناشرون خواصّ في(الوطن العربي) ومنه (الجزائر)، يبقى محتسبًا، لا (دَيْن عليه) ولله الحمد! «لا غنًى يُطغي ولا فقرًا يُنسي» وهو دعاء نبيّنا عليه الصلاة والسلام؛ فجنّبه الله الحاجة!، لكنه يتطلّع إلى واقع جديد، لجيلٍ، سلاحه العلم والإخلاص، جيل (حفيده) ولاحقه!

لكن ما الذي جعل (الحفيد) يتمنّى أن يكون مثل (جدّه) فقط؟ تفاجأت بطموح لا يتجاوزني! كتمت (توعّكي)! لضيق هذا الجيل الطموح نفسه بالسوء السائد، لما يسمع عمّن يسمّونهم (رجال سياسة)؛ وقد هتف فيهم وهو على كتِفَيْ أبيه في (مسيرة) جمعة: «تَنَحّوْا جميعًا يا سَرّاقين» ! فقد اصطدمت النظرة (المثالية) لدى الأجيال الصاعدة بواقع مرّ تتلاحق فيه الانكسارات، دون طموحات أجيال، لبناء مستقبلها بالمثل العلمية والسياسية والأخلاقية!

كيف لا أخشى على أمثال هذا الصغير الذي قنع بأن يكون مثل (جدّه)؟ فيجدّ مع ذلك، ثم يتخرّج من الجامعة كما تخرج سائر الأبناء؛ ليجدوا أنفسهم في مواجهة محيط عفن، يشوّه الحياة الإنسانية!

(كنتُ) واحدًا من ضحايا (المُثل) باكرًا، وإن لم تفْضِ بي الانكسارات والحمد لله إلى انحرافات أو ضلال في علم وعمل، حتّى في العلاقات الإنسانية، أحرص دائمًا على أن أُبقِي على نظافتها وإنسانيتها، فمن حاول جرِّي إلى خارج ذلك قيد أنملة نبذته بما هو مناسب، بهدوء غالبًا.

لم أسأل الصغير عن مُثُله التي جعلته يتمنّى أن يكون مثل (جدّه)! استبعدت الجانب المادي إذن! فمَا الجانب المعنوي؟ التمست خلفية له في (مجادلته) لمعلمته باعتزاز، حين أزعجته ملاحظة لها فيما يبدو، بعد أن (ذكرني)لأمر ما! ربما؛ فقالت بكثير من قلة الأدب: «أجدّك الذي يلازم الفراش؟» أي (مريض لا يقوى على النهوض!) وهي لا تعرف شيئا عن الأسرة! فرد عليها مزهوًّا- حسب شهادة غيره-: جدّي كاتب!

بلغني ذلك فقلت له وأنا أربت على كتفيه: احترام المعلمة واجب، فذلك لفائدته، متغاضيا عن تصرّفها (السّوقي) الذي لا يجوز من امرئ في (التعليم) الذي هو (تربية)! لكنه (السوء التربوي) الحاصل!

هذه (الصورة) نفسها شيء من مُثُلي (الحُطام) في (العلم والتعليم ومستوى رجالهما) منذ دَفعتني الظروف باكرًا لأنقطع في (19 من عمري) عن الدراسة إلى التدريس؛ فخُيِّل لي (كمعلم) بدرجة (ممرّن) أنني في موقع عالٍ أعتزّ به، يثمّنه الشعب؛ فقلت لأحدهم (باعتداد الشباب) المندفع: «أنا معلمّ! أهمّ من وزير التربية ابن أحميدة» ! حتى وإن كانت (مهمتي) في حدود (الجملة الاسمية والفعلية)!

مسكين أنت يا ذلك المعلم البسيط! في أدنى درجات السلم (المؤقّت)! لكنها (المُثُل): حب العلم والعمل الجاد الذي أحمد الله على أن رزقني به، فصار ذلك (الممرّن) في (الابتدائي) بجهده وحده (أستاذ كرسيّ) بدكتوراه دولة وبحوث أكاديمية في أشهر الجامعات الجزائرية وأقدمها، وفي ثلاث جامعات عربية!

كان لبعضنا مُثُل صمدوا بها، في ظروف السّوء القائمة، ولآخرين خيارات أخرى: تغيير الاتجاهات وهجر الوطن، حتى تغيير الجنسية العربية! هنا ألمي! قلقي! فاللّهمّ احفظ الأجيال الجديدة في أمتنا من الانكسارات والتنكر للأمة والأوطان! والذات!

beng.33@hotmail.com

 

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .