دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الأحد 15/9/2019 م , الساعة 1:43 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

متى تموت الديكتاتورية؟!

متى تموت الديكتاتورية؟!

بقلم : طـه خـليفـة(كاتب وصحفي مصري) ..الأفكار الجيدة تعيش، والأفكار الشريرة تجد أسباب الحياة أيضاً.

لكن لماذا لا يتم تعظيم الخير ليهزم الشر، ويُقلص وجوده، ويجعله في الحد الأدنى للأذى، أو متناهٍ في الصغر، فلا يكاد يُرى، ويفقد التأثير، ويتوقف عن ملء الأرض أحقاداً، واحتراباً، وناراً، ورماداً، ودماراً؟.

هي ثنائية الخير والشر المتلازمتان، والتي يدور بينهما صراع أبدي، وجولات ساخنة فوق حلبة الحياة، فوز هنا وخسارة هناك، ثم خسارة هنا وفوز هناك، إنه التدافع، وهو هدف الوجود، ومجال الاختبار لقوة وقدرة الإنسان على حسن الاختيار.

الديكتاتورية تقع ضمن الأفكار الشريرة، وهي مرحلة في الحكم ما فوق الاستبداد، وتلامس مرحلة الطغيان، والأشكال الثلاثة هي الأسوأ في أنظمة الحكم طوال التاريخ البشري، وهي تذيق من يقع تحت حكمها المرار والويلات والأهوال.

ورغم تجريب نهج الديكتاتورية غير الإنساني في الحكم منذ القدم وحتى اليوم، لكنها لا تزال أفكاراً وممارسات تواصل صب جحيمها على العديد من الشعوب رغم أن الكوكب دخل القرن الحادي والعشرين، قرن ما بعد الحداثة، وصعود الحضارة درجات مدهشة.

الديمقراطية من الأفكار الخيرة للإنسان، والفكرة عندما تحولت إلى سلطة أثبتت أفضليتها للشعوب في حكم نفسها بنفسها، وتقرير مصيرها، الشعب فيها صاحب الكلمة العليا في اختيار من يحكمه ويمثله في الهيئات المنتخبة، ومنظومة الحكم تعمل لخدمة الإنسان، لا احتكار، ولا استعباد للمواطن الفرد، أو المواطنين الجماعة، لا المحكومون يخافون من تعسف وتنكيل حاكمهم بهم، ولا هو يخشى منهم الغدر والانقلاب والثورة، فالعلاقات بين الطرفين تم تحديدها في مسارات دستورية وقانونية، وكل طرف يحترم هذه العلاقات ولا ينتهكها، إنه الحكم الرشيد.

في الديكتاتورية، لا حدود تنظم العلاقة بين الديكتاتور والمواطن، إنما الدولة والنظام هما الديكتاتور، والمواطن بلا حقوق يمكن أن يطالب بها وهو آمن، والحقوق ما يقرره له الحاكم المستبد /الديكتاتور/ الطاغية، وفيها لا يأمن مواطن على نفسه، ويُفرض على الشعوب الخضوع بكل وسائل القمع، وضحايا التمرد على ممارسات انتهاك حقوق الإنسان كبيرة في أنظمة التعسف والعصف بآمال وأحلام الناس، بينما لا تجد ضحايا في الديمقراطيات، لأن هدفها ومحورها وجوهرها سعادة وراحة ورضا المواطن.

مثلاً، احتجاجات السترات الصفراء خرجت لأسابيع في فرنسا ضد سياسات ماكرون الاقتصادية والاجتماعية التي تأذت منها الطبقات المتوسطة والفقيرة، فأنصت الرئيس لصوت الشعب، وتحرك دون إبطاء أو عناد، وتراجع عن بعض قراراته فوراً، كما لم يسقط قتيل واحد على علاقة مباشرة بالتظاهرات برصاص الأمن.

في زيمبابوي التي توفي 6 سبتمبر الجاري رئيسها السابق الديكتاتور روبرت موجابي وقع فيها ضحايا طوال 37 عاماً من امتلاكه السلطة والتحكم في الشعب، والضحايا ليس بالضرورة أن يكونوا كلهم قتلى أو جرحى العنف الرسمي، إنما ضحايا الفقر والجوع والعري والمرض والكبت والقهر وفقدان الأمل في الحاضر والمستقبل أضخم لأن عددهم قد يصل إلى الملايين.

مات ديكتاتور إفريقي عتيد، لكن لم تمت الديكتاتورية عند إزاحته من الحكم بقوة الجيش في نوفمبر 2017، فقد استمرت، لكن بصورة أخف وطأة. وحالة زيمبابوي تضرب دولاً كثيرة تعوم شعوبها على مآس وكوارث إنسانية أشد وأعنف وتفوق الوصف، الشعب السوري تجسيد حي لهذه الجريمة التاريخية.

نكبة الحكم غير الرشيد تضرب إفريقيا والعرب، إلا دولاً محدودة وجدت خلاصها في ديمقراطية ناشئة وفرت لها الاستقرار والسلام الاجتماعي الطبيعي، ووضعت قدميها على طريق التنمية للشعب، وليس لصنع تاريخ زائف للحاكم، والدعاية لإنجازات مظهرية لا تفيد عموم المواطنين.

ففي شمال القارة يظهر ضوء وأمل في تونس التي تزدان بعرسها الديمقراطي الحقيقي عبر انتخابات رئاسية تؤكد صواب اختيار الطريق الصحيح، وحسم القطيعة مع الديكتاتورية بعد ثورتها العظيمة، ومن المؤلم انتكاب شقيقاتها في الربيع حيث سقطت بين استبداد جديد، وبين انقسامات وحروب أهلية، وتدخلات خارجية، والأمل معقود على شعبين عربين إفريقيين؛ السودان والجزائر، اللذين يكافحان للنجاة بثورتيهما خشية الانكسار، وانتصار الثورة المضادة، والارتداد إلى الاستبداد.

كان الأمل في التغيير الديمقراطي ودحر منظومة الاستبداد في الربيع العربي، لكن المنظومة قاومت بكل وسائل المكر والخبث والدهاء حتى استعادت مكانتها على بحور من الانتهاكات، ومع هذا لا تزال الشعوب تقاوم شرور الديكتاتورية، وتتشوق لأنوار الحرية والديمقراطية.

لا ميزة واحدة يمكن رصدها للحكم السلطوي المطلق، وإخضاع الشعوب بالقوة، فالسلطوية إما تجعل النار كامنة تحت الرماد، وعندما يحدث الانفجار تسقط البلدان في آتون الفوضى والغموض، وإما تقوم بتدجين الشعوب لتفقد قدرتها على انتصاب القامة، والإنجاز الناتج عن عقل حر، والنجاة الآمنة لا تكون إلا في الحكم الديمقراطي.

لا بلد يخضع للديكتاتورية يمكن أن يساهم في ركب الحضارة، قد يكون له منجزات، لكنها تخلو من الإبداع والابتكار، فالعقل المتحرر أساس التفكير الخلاق المُجدد، والحضارة الحقيقية ليست التقليد، إنما التطوير والإدهاش بالجديد، وهذا متواجد في الغرب، وفي كل بلد حر، ولن تجد هذه البضاعة في بلدان حكم الفرد أو الحزب الواحد، قد يتقدم بلد مستبد اقتصادياً، لكنه سيقوم على وفرة إنتاج الماديات، وليس وفرة إبداع الأفكار.

متى تموت الديكتاتورية في كل البلدان الموبوءة بها؟، إجابة السؤال مرهونة بإرادة الشعوب للتحرر، وامتلاك إرادتها وقرارها.

عندما تموت الديكتاتورية في أحد البلدان فإن الحياة تُكتب لهذا البلد حيث يُولد حكم الدستور، وتكون كلمة الشعب هي العليا، وتظهر الحكومة الخادمة لمواطنيها، وليس المواطنون الذين يخدمون حكومتهم ونظامهم القاسي.

يوماً ما ستنضب كل مستنقعات الديكتاتورية لأنها نبت شيطاني لا حياة أبدية له، والحرية هي الحق المقدس للإنسان منذ لحظة ولادته وحتى مماته، وانتزاعها منه عدوان صارخ عليه يستوجب المقاومة حتى آخر نبضة في القلب.

                   

tmyal66@hotmail.com

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .