دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 16/9/2019 م , الساعة 12:27 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

أمريكا باقيةٌ إلى حين

أمريكا باقيةٌ إلى حين

بقلم / منى عبد الفتاح - كاتبة سودانية :

كثرة الشكاوى من الوضع في الشرق الأوسط جعلت احتمال انسحاب الولايات المتحدة بات قاب قوسين أو أدنى من ذلك، ولكن تأكيد المسؤولين في الإدارة الأمريكية على البقاء بين الحين والآخر يقطع الشكوك الواردة في وقتها. هذه الفكرة رادوت المراقبين مرةً أخرى بعد إقالة مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون، وهو المتشدّد في سياساته واقتراحاته القاضية بالتدخلات العسكرية، مستبعدًا الحوار والحل الدبلوماسي. قبل سنوات عندما زاد التشكّي الدولي صرّح وزير الدفاع الأميركي حينها تشاك هيغل بما يفيد بأنّ الولايات المتحدة الأمريكية لن تنسحب من أية منطقة في العالم، بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط، رغم الضغوط على ميزانية وزارة الدفاع (البنتاغون). ولعلّ استدراكه للشرق الأوسط مُلحقاً ببقية العالم يضمر في ثناياه تأكيداً على أنّ التعميم هو القاعدة، وأنّ استدراك الجزء المثقل والغارق إلى أذنيه في خضم الأزمة الماثلة هو تأكيد أكثر منه تمييز، فالموقف الآني في الشرق االأوسط متشابكٌ ولكنه ليس بعصيِّ علي الفهم.

هذا التأكيد يدحض الافتراض الذي جرى به حبرٌ غزير في وديان الصحافة الأمريكية ودهاليزها التحليلية منذ عدة سنوات من أنّ دور الولايات المتحدة بدأ في التراجع بسبب تفاقم الأزمات الداخلية والخارجية، وأنّها تفضّل الإنكفاء على الداخل تاركة الملعب الخارجي إلى روسيا بوتين وحلمه في إعادة مجد الاتحاد السوفيتي الآفل، مشاركة مع قوىً صاعدة مثل الصين. ولكن يبدو من حديث وزير الدفاع الأمريكي الأخير أنّ الثوب الأمريكي أوسع من أحلام الدب الروسي وأقوى مما تحتمله طاقة التنين الصيني، لذلك عادت أمريكا ثانية تمارس هواية توزيع الأحجار على رقعة الشرق الأوسط، بالمواقف المعلنة تارة والمواربة تارة أخرى.

دحضَ تأكيد تشاك هيغل كذلك قول هيلاري كلينتون إبان تسنمها للخارجية الأمريكية: «إذا كان القرن العشرون هو قرن المحيط الأطلسي، فإنّ القرن الحادي والعشرين هو قرن المحيط الهاديء، بالنسبة إلى الولايات المتحدة». الواضح الآن أنّ القرن الحادي والعشرين هو قرن المحيط الهاديء والأطلسي معاً، فاتجاه أمريكا صوب دول شرق آسيا لن يحوّلها كليةً عن الشرق الأوسط وإنّما تستطيع الإمساك بزمامي العالم والجمع بين المحيطين.

الواقع أنّه لا تحتاج الإدارة الأمريكية لأن تثبت ذلك، فمنذ أن طرحت إدارة الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش مشروع الشرق الأوسط الكبير في عام 2004م على مجموعة الدول الصناعية الثمانية، وهي لا تستطيع الابتعاد عن المنطقة، بل هي منذ ذاك الوقت في حالة سعي بين صفا الدبلوماسية ومروة الخيار العسكري المخبوءة أشواطه الإضافية للضرورة.

وإذا كنا نلاحظ ثمة انكماش في الإستراتيجية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط منذ أن أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما في عام 2009م عن انسحاب القوات الأمريكية من العراق وأفغانستان، وإطلاق «إستراتيجية إعادة التوازن» في آسيا والمحيط الهاديء، فهي لا تعبّر بشكلٍ واضحٍ عن انسحابٍ حقيقيٍّ ولكن في ظلّ غياب الخصم تقلّ المنافسة. فليس صحيحاً تماماً أنّ الشرق الأوسط يدخل عهد ما بعد أمريكا وما يحدث الآن من عدم الاعتناء الأمريكي الكامل بدعم التنمية وتحقيق الأمن والإستقرار في الشرق الأوسط لا يشي بحال من الأحوال عن تراجع النفوذ والسيطرة الأمريكية، فالشرق الأوسط بالنسبة لأمريكا هو جنتها وجحيمها، وليس بإمكانها غضّ الطرف عما يحدث فيه كلية ولكنها تنتهز الفرصة لتوليد المستقبل من رحم الفوضى الخلاقة بطريقة أشبه للطبيعية. تنتهج السياسة الأميركية طريقاً جديداً يسهّل لها الوصول إلى ذات النتائج في المنطقة ذات التعقيدات السياسية والأيديولوجية والإجتماعية والاقتصادية. استفاد النهج الأمريكي من تجارب سابقة استهلكت فيها أمريكا كثيراً من إمكانياتها ومواردها، وليس من الحكمة تجريب المجرّب مرة أخرى، خاصة إذا كان بمقدورها سلك طرق جديدة تحافظ بها على مصالحها في المنطقة دون إهدار الكثير من الموارد.

وإزاء هذا الوضع فإنّ الإدارة الأمريكية ليست مترددةً في التدخل المباشر بعيد الغور في الشؤون الداخلية للمنطقة ولكن وفي ظل تشابك المصالح بين الدول والذي فرضته العولمة، عملت الولايات المتحدة على تفعيل إستراتيجيتها تجاه المنطقة بشكل أعمق وأكبر ولكن الأهم أنّها تطرح التعاون من أجل تحقيق المصالح المشتركة، ولا تُستبعد خيارات أخرى.

لا يمكن إلقاء تقاطعات العودة الأمريكية إلى الشرق الأوسط على المصادفة وحدها لأنّ توالد التاريخ أحدث فعلاً إقليمياً آخر غير معزول وهو توجه أمريكا نحو جنوب شرق آسيا. وما بين الخطوتين من مفارقات وتوازٍ جعل المنطقتين تبدوان وكأنهما الصورة وظلها. إنّ استمرارية العملية في الشرق الأوسط جعل دول جنوب شرق آسيا تتحسس أمنها من تزايد الدور القيادي للولايات المتحدة وتزايد نفوذها العسكري، مما ساهم في سيادة حالة من الهلع من تزايد سباق التسلح وبالتالي تزايد احتمالات الحروب والنزاعات.

إنّ قرار أمريكا بترك الشرق الأوسط الجديد في طور التشكّل الآن بفضل الفوضى الخلاقة، والآلية للسماح لهذا النمو الطبيعي هو إتاحة الفرصة للتعبيرات المختلفة اجتماعياً وأيديولوجياً وطائفياً وإثنياً لتظهر من خلف الأضابير بأي شكل تختاره. ما تفعله أمريكا في الوقت الحالي هو مراقبة وتحليل صراع هذه القوى مع بعضها البعض حتى إذا ما تم انتصار إحداها، تبرز الرؤية الأمريكية التي فرضت هذا النهج من خلف ستار لتُحال المنطقة بأكملها إلى وصاية «الشيطان أمير العالم» أو كما قال وليم جاي كار الخبير في كشف المخططات السرية وسياسة صنع الحروب وحبْك المؤامرات من أجل السيطرة على العالم أو القضاء عليه.

 

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .