دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الثلاثاء 17/9/2019 م , الساعة 1:51 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

حكومة الانتقال السودانية تواجه سؤال الصمود

حكومة الانتقال السودانية تواجه سؤال الصمود

بقلم : د. خالد التيجاني النور (كاتب وصحفي سوداني) ..

ما إن أدّت الحكومة الانتقالية برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك اليمين الدستورية، حتى بدأت تواجه بأسرع مما كانت تتوقع تحديات جمّة تكشف عن حجم التعقيدات البالغة في مواجهة مهمتها حتى قبل أن تكمل أسبوعاً واحداً في سدة الحكم، صحيح أن طبيعة تحديات الانتقال في حد ذاتها في ظل الإرث الثقيل للنظام السابق في المجالات كافة لم تكن خافية على أحد، إلا أن ما بدا مفاجئاً أن الضغوط الكثيفة على حكومة حمدوك لم تأت كما كان منتظراً من مؤيدي النظام المنهار، بل أتت للمفارقة من داخل الصف الثوري الذي قاد الحراك الشعبي، والذي يفترض أن هذه الحكومة جاءت تعبيراً عنه، ووسيلة لتحقيق تطلعاته في تحقيق شعارات الثورة وإرساء قواعد النظام السياسي الجديد.

فقد برزت إلى السطح عدة ظواهر دالة على مدى تململ الرأي العام وسط الثوار من القبول بمجمل التطورات الراهنة على المشهد السياسي الذي بدا غريباً بمقياس سقف التوقعات الكبيرة للصورة التي رسمتها الحالة الثورية لحجم التغيير الجذري في الأوضاع في المخيلة الجمعية التي تراكمت في ظل حالة المد الثوري الذي ظل متعاظماً على مدار الأشهر الثمانية الماضية. ومن بين هذه الظواهر أن القبول الكبير والارتياح الذي حظي به تسمية الدكتور عبد الله حمدوك، لا سيما بعد تسلمه منصبه رسمياً وخطابه السياسي المتماسك الذي وجد استحساناً وقد نجح في اختبار الكاريزما المفقودة وتجسير حالة الفراغ القيادي الذي كان سائداً، بيد أن هذا التأييد الشعبي العريض لحمدوك لم ينسحب كذلك على حكومته التي ولدت في ظل تجاذبات وصراع داخل قوى الحرية والتغيير، ولم يكن حظها أفضل من عدم القبول أو على الأقل التحفظات الكبيرة وسط قطاع عريض من الجمهور لأعضاء المجلس السيادي، وقد كان الظن أن القصور الذي شابها سيتم تلافيه في تشكيل مجلس الوزراء، ولكنه جاء على النمط نفسه من انعدام المعايير الموضوعية مما أثار قدراً غير قليل من الاستياء.

وتعود الأسباب في ذلك إلى أن قوى الحرية والتغيير التي ارتضاها الحراك الشعبي للتعبير عن مطالبه لم تظهر الحس القيادي القادر على تلبية توقعات الجماهير من واقع ممارسته الفعلية، وفي مقدمة ذلك تنكرها لتعهدات (إعلان الحرية والتغيير) الذي كانت تواثقت عليه في بداية الانتفاضة، ومثّل الوثيقة الأساسية لتعهداتها في إدارة الشأن العام عند نجاح الثورة، ومن ضمنها أن يتم تشكيل حكومة من كفاءات مستقلة لإدارة الفترة الانتقالية، غير أن القاعدة الثورية أصيبت بإحباط كبير حين تجاهلت القيادة ذلك، وانخرطت في صراع مرير داخل مكونات قوى الحرية والتغيير لتقاسم المناصب على أسس حزبية سواء على مستوى المجلس السيادي أو على مستوى مجلس الوزراء، فعلها البعض مواربة وجاهرت بها بعض القوى الحزبية داخل الائتلاف، وزادت الأمور ضغثاً على إبالة حين أصبح التنكر للتعهدات الممارسة السائدة، فقد امتد ذلك أيضاً إلى تناقض ومواقف مضطربة بشأن اتفاق يمنع المشاركين من التفاوض من قوى الحرية والتغيير مع المجلس العسكري الانتقالي السابق من تولي مناصب دستورية لتلافي أية شبهة لتضارب المصالح، وجاء خرق هذا الاتفاق بتوزير مفاوضين دون اعتبار للمعارضة الشديدة لذلك مما فاقم من حالة السخط.

بيد أن ثالثة الأثافي أن الأمر لم ينته عند المحاصصة الحزبية المفارقة لروح ونصوص المواثيق الثورية، بل امتدت كذلك لتشمل الاعتبارات الجهوية، وأيضاً القبلية والعنصرية، وهي ممارسة كانت إحدى ركائز ممارسات النظام السابق في لعبة الحفاظ على السلطة، الذي كان يحاول تغطية أزمة شرعيته المستدامة، وقد جاء بانقلاب عسكري أسس نظاماً شمولياً باللجوء إلى المحاصصات الجهوية والقبلية لإعطاء انطباع زائف بوجود تمثيل شامل لكل السودانيين في السلطة، ولم تكن في واقع الأمر سوى مشاركة رمزية وشكلية لم تخدم أبداً مطالب أطراف السودان المختلفة المشروعة، لذلك كان مستغرباً أن يلجأ الوضع الجديد المتمتع بشرعية شعبية ثورية غير مسبوقة لاستلاف هذا النهج المعوج الذي يشي بأن النظام سقط ولكن ممارساته ظلت باقية. ومن المفارقات أن قيادة قوى الحرية والتغيير كانت أنكرت على الجبهة الثورية مطلبها بالتمثيل في هياكل الفترة الانتقالية، مما أدى إلى مفارقتها للتحالف، ثم نكصت لتمارسه بنفسها مما يعيد إلى الأذهان أزمة الثقة في الفضاء السياسي السوداني بين المركز والهامش بسبب التمادي في نقض العهود والمواثيق.

لقد أفرز هذا النهج في المحاصصات الحزبية والجهوية في تشكيل الحكومة الانتقالية نتائج سلبية بالغة في الصورة الذهنية العامة لها لا سيما وقد أدى ذلك إلى حشد مؤسسات الفترة الانتقالية على حساسيتها والدور الكبير الذي ينتظرها بأشخاص يفتقرون للتأهيل السياسي والكاريزما القيادية الذي تتطلبه المرحلة بكل تعقيداتها، وهو ما بدا جلياً في مواجهة حكومة حمدوك لحملة واسعة في الوسائط الاجتماعية تنتقد بعنف وعلى نطاق واسع العديد من المسؤولين الذين تم تعيينهم في الحكومة تشكك في كفاءتهم.

وهو ما يثير تساؤلات مشفقة حول قدرتها على تحمل أعباء أجندة الانتقال وسط هذه الأجواء شبهة العدائية، وفي ظل افتقارها لقاعدة سياسية صلبة مع ضعف تماسك القوى المكونة لتحالف الحرية والتغيير، بعد نأي الجبهة الثورية التي تضم غالب حركات التمرد المسلحة، والحزب الشيوعي الذي بدأ ينخرط في معارضة للحكومة الانتقالية بتحريك الشارع، وفي ظل هذه المعطيات يصعب تصور أن تستطيع حكومة حمدوك الاستمرار في مهمتها طوال الفترة الانتقالية الممتدة لثلاث سنوات، ويبقى السؤال إلى متى تستطيع الصمود، وقد ألمح إلى تزايد احتمالات عدم استمرارها السيد الصادق المهدي زعيم حزب الأمة، أحد مكونات قوى الحرية والتغيير الرئيسية، طارحاً خيار اللجوء إلى انتخابات مبكّرة إذا تعثرت حكومة حمدوك.

                   

khalidtigani@gmail.com

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .