دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 23/9/2019 م , الساعة 12:57 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

عصر النهضة العربية (1 -2)

عصر النهضة العربية (1 -2)

بقلم / جهاد فاضل - كاتب لبناني :

يتفق الباحثون العرب جميعاً على أن ما يُسمّى «بعصر النهضة العربية» بدأ في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ولكنهم يختلفون على الزمن الذي انتهى فيه.

فمنهم من يرى أن هذا العصر لفظ أنفاسه في يونيو 1967 مع هزيمة العرب التاريخية بوجه إسرائيل وانتهى أمره وأمر النهضة معاً، إذ لم يُسجَّل بعد هذا التاريخ ما يشير إلى أن النهضة العربية قد تجدّدت واستأنفت مسيرتها التاريخية. ولكن هناك من يرى أن عصر النهضة العربية قد زال على الخصوص بزوال العصر الملكي في مصر عام 1952 وحلول ثورة يوليو محلّه.

ويشرح هؤلاء وجهة نظرهم فيقولون إن العصر الملكي المصري شكّل الحاضنة التي نما وازدهر فيها النهضويون المصريون والشوام «وأكثرهم لبنانيون» ومعهم فكر التنوير الذي بشّروا به. فلما جاء عبدالناصر وصحبه تعاملوا مع كل مَن وما سبقهم على أنه متخلف ورجعي وينبغي أن يُطوى إلى الأبد. ولم يكتفوا بذلك بل أشاعوا قيماً أخرى أساءت إلى جوهر فكر النهضة وأولها الاستبداد وعبادة الشخصية وإعلان الحرب على الديموقراطية والحريات وحقوق الإنسان، وهو ما لم يكن معروفاً أو شائعاً زمن الملك فاروق أو زمن الملوك الذين سبقوه. وهذا يعني أن العصر الملكي في مصر، ومعه الإنجليز الذين كانوا يستعمرون مصر، كانا أكثر رحمة بالتنويريين والنهضويين من حركة الضباط الأحرار التي كانت في واقع أمرها حركة انقلابية لا صوت كان بإمكانه أن يعلو على صوت زعيمها أو أن ينتقد أي تصرف من تصرفاته. إلى أن انتهى الأمر إلى تلك الهزيمة المرة التي وضعت حدّاً- وربما إلى الأبد - لأحلام العرب في الوحدة والتقدم.

الباحثون الذين يرون أن عصر النهضة العربية استمر حتى عام 1967 يستندون إلى حالة الهيجان القومي التي أحدثها الانقلابيون العرب والآمال العريضة التي وعدوا بها شعوبهم وينسون النتائج المرة التي تمخضت عن حكمهم وأولها استيلاء اليهود على كل فلسطين، والصلح الذي فرضوه على العرب، وتعذر قيام أي حكم وطني، وحلول المذهبية محل الوطنية والقومية.. والواقع أن الانقلابيين العرب دفنوا إلى الأبد كل البذور الواعدة التي زرعها في التربة العربية من سبقهم من التنويريين، وأشاعوا بدلاً منها قاموساً آخر لا يمتّ إلى حقائق الحياة العربية والصدق والأصالة بأي صلة. وهكذا ماتت النهضة العربية في مناخات القمع والتفرّد بالرأي وانعدام النقاش والحوار.

وزاد الطين بلّة إعلان هؤلاء الانقلابيين الحرب لا على اللغات الأجنبية وحدها ومعها اللغة العربية واعتماد العاميات محلّها، بل على الثقافة الأجنبية أيضاً. فقد شاعت في البلدان التي رُزِئت بهؤلاء الانقلابيين عبارات تنّم عن الحذر من كل انفتاح على مناهل الثقافة في العالم، ومنها عبارة «الغزو الثقافي الأجنبي» التي كانت تعني في حقيقة الأمر إغلاق أبواب الثقافة العربية والفكر العربي للحؤول بينهما وبين أي تفاعل مع الرياح التي تعصف بالمجتمعات الحديثة في الخارج. ووصل الأمر بهؤلاء الانقلابيين إلى حدّ محاولة الاكتفاء بمادة سنوية وحيدة في كلية الطب يمكن تدريسها بالإنجليزية وبقية المواد باللغة الوطنية. وكادوا يقولون بأن كل ما هو أجنبي سواء بالطب والعلوم أو بسواهما جدير بالإهمال، وأن بالإمكان الاعتماد على كتب ابن سينا وابن الهيثم.

ولو تأملنا اليوم في عصر النهضة والفكر الذي أرساه، والنجوم التي أضاءت في سمائه، لوجدناه مع الأسف عبارة عن ومضة بين ليل مدلهمّ سبقه وليل مدلهمّ لحقه. ولوجدنا أكثر «الأدوية» التي وصفها واستخدمها مجلوبة من الصيدلية الأجنبية لا من أي صيدلية أخرى. وهذا أمر معروف في عالم الصيدليات والحضارات. فما من صيدلية في العالم تقتصر أدويتها على الصناعة المحلية، وما من حضارة تكتفي بما عندها ولا تمدّ يدها أو نظرها إلى سوق الإنسانية وتنتفع به. ولو حاولنا أن ندقق فيما كان متداولاً في مصر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وفي النصف الأول من القرن العشرين، لوجدنا أن أكثره من صنع أوروبي أو فرنسي. وليس في هذا ما يضير فكر عصر النهضة ولا مفكّريه. وقد حاول طه حسين جاهداً في كتابه «مستقبل الثقافة في مصر» ربط مصر بأوروبا واعتبارها مشمولة بالهوية الأوروبية مثلها مثل اليونان، لا لشيء إلا بحثاً منه عن الحضارة والتقدم والرقي ونفوراً من القرون الوسطى التي وجد مصر وبقية البلدان العربية مشمولة برعايتها.. وسواء وُفّق عميد الأدب العربي في هذا النظر أم تعسّف، فإنه دليل على ما كان يعمر صدور النُخّب العربية في ذلك الوقت من التوق للتقدم والتطلع إلى الأمام باستخدام المواد والأدوات التي استخدمها الأوروبيون وأوصلتهم إلى الحضارة الباذخة التي بها ينعمون.

 

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .