دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الأحد 29/9/2019 م , الساعة 3:10 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

دولـــة القـــانــون

دولـــة القـــانــون

بقلم : طـــه خـلـيفـة(كاتب وصحفي مصري) ..

جرى تزامن مهم في ثلاث دول غربية الثلاثاء الماضي، يؤكّد المعنى الحقيقي لدولة القانون، هذا المعنى والمبنى المفتقد في دول أخرى منها البلدان العربية، حيث لا دولة ولا قانون لهما وجودهما الفاعل والراسخ.

هناك تاريخٌ قديم وطويل من النضال في أوروبا رمز الاستنارة والحضارة للغرب كله لترسيخ دور القانون والعدالة في بناء الدولة وخضوع الحاكم لهما، وإحداث قطيعة مع نمط الحكم المتجاوز للقانون، سواء الحاكم المطلق الذي لا يُحاسب من الشعب باعتباره ظل الله على الأرض، ثم مرحلة الحاكم المستبد والديكتاتور الذي يعتبر نفسه فوق القانون فلا يحترمه ويهدر نصوصه، هذه المنظومة طُويت صفحتها نهائيًا في دولة القانون والديمقراطية والفصل الفعلي بين المؤسسات منذ عصر النهضة.

ومثل هذه الدولة هي الحلم لمن لا يعيش فيها في بلدان عالم الجنوب الذي يقاوم سيادة القانون، ويعادي نهج الحكم الديمقراطي الرشيد، ويقمع الحريات، وينتهك حقوق الإنسان، وتتحول الدساتير إلى مجرد وثائق اجتماعية بلا تنفيذ في الواقع.

نعود إلى الوقائع الحية لاحترام القانون، وتعزيز قيم الديمقراطية، ففي اليوم المشار إليه، أسقطت المحكمة العليا في بريطانيا قرار رئيس الحكومة بوريس جونسون بتعليق أعمال البرلمان لمدة شهر وعدة أيام (9 سبتمبر - 14 أكتوبر) لحرمان الأعضاء من مراقبة إجراءات الحكومة للخروج من الاتحاد الأوروبي، ذلك أن جونسون يريد الخروج سواء باتفاق أو دون اتفاق في المهلة المتفق عليها بين لندن والاتحاد الأوروبي وتنتهي 31 أكتوبر المقبل.

تاريخ 24 سبتمبر 2019 سيعتبره البريطانيون يومًا تاريخيًا آخرَ لحماية ديمقراطيتهم العتيدة، ولهذا قالت رئيسة المحكمة العليا، الليدي بريندا هيل، أثناء النطق بقرار الحكم إن «تأثير تعليق البرلمان على أسس ديمقراطيتنا كان شديدًا».

الطعن في قرار رئيس الوزراء، وكل الإجراءات القضائية، استغرقت عشرة أيام فقط، وحُسم الأمر، وعاد البرلمان للانعقاد في اليوم التالي (الأربعاء)، وقد تابعت الجلسة مباشرة، وكنت مبهورًا كالعادة من الأداء الديمقراطي الرفيع في المواجهة السياسية العنيفة بين رئيس الحكومة، وبين زعيم المعارضة ورئيس حزب العمال جيرمي كوربن.

لم تتم المماطلة في نظر القضية حتى ينتهي الشهر ويكون قرار رئيس الوزراء تم تنفيذه، فهو ليس حاكمًا مستبدًا يضع يديه على سلطة القضاء ويوجهها كما يريد لخدمة مصالح حكومته، هناك مؤسسات حقيقية لها استقلاليتها وعلى رأسها السلطة القضائية التي لا تنحاز للحكم أو المعارضة، وهي تتدخل لضبط أي انحرافات في تطبيق أو تفسير القانون أو محاولة التأثير على الديمقراطية.

لهذا تظلّ بريطانيا دولة عظمى وعظيمة، وتظل دول الاستبداد وحكم الفرد في قاع البؤس والتخلّف.

ومن بريطانيا صاحبة الديمقراطية القديمة العتيدة إلى أمريكا في الضفة الأخرى على المحيط الأطلسي، حيث الديمقراطية الأهم في العالم، وإعلان رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي إطلاق تحقيق يمهّد لعزل الرئيس ترامب، وقد قالت بوضوح: يجب محاسبة الرئيس، ولا أحد فوق القانون.

مثل هذا القرار الجريء لا يُتخذ إلا من مؤسسة تشريعية قوية ومحترمة تمارس دورها الدستوري في مراقبة ومحاسبة السلطة التنفيذية وفي دولة تُقدر معنى المؤسسية والقيم الدستورية وإرادة الشعوب.

ترامب مُتهم من الديمقراطيين، الذين يحتفظون بالأغلبية في مجلس النواب، باستغلال نفوذه من خلال الضغط على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينكسي خلال مكالمة هاتفية بينهما لإعادة فتح تحقيق في شبهات فساد حصلت في بلاده تطال نجل جون بايدن نائب الرئيس الأمريكي السابق أوباما وأبرز المرشحين المتوقع أن يمثلوا الحزب الديمقراطي في انتخابات الرئاسة العام المقبل.

ومشكلة ترامب هي مصلحته الشخصية في تشويه صورة وسمعة خصمه المفترض، فهو سيترشح مجددًا للرئاسة، وهنا خطورة محاولة استفادة الرئيس من السلطات الممنوحة له في التأثير على خصومه، وفي أغسطس 1974 استقال الرئيس الجمهوري ريتشارد نيكسون تفاديًا لعزله من الكونجرس بعد انكشاف تورّطه في فضيحة (ووترجيت) التي تتعلق بالتجسس على الحزب الديمقراطي لصالحه قبل الانتخابات الرئاسية.

ترامب لم يعتقل رئيسة مجلس النواب، ولم يقم بحل المجلس، ولم يشطب الديمقراطية حتى لا يقترب سيف التهديد بالعزل منه، لأنه ببساطة لا يستطيع فعل ذلك، فهو مقيد بقوانين ونصوص دستورية تنظم العلاقة بينه كرأس السلطة التنفيذية وبين السلطة التشريعية.

وفي البلد الديمقراطي الثالث وهو إسبانيا وافقت المحكمة العليا على نقل رفات الديكتاتور فرانثيسكو فرانكو بعد 44 عامًا من موته، هذا الجنرال أشعل حربًا أهلية ( 1936- 1939) سقط فيها ضحايا كثيرون، وتمكّن بعدها من حكم البلاد بالحديد والنار والدم، وهي مرحلة حكم قاسٍ وعصفٍ بالقانون والدستور وتكميم الأفواه والقمع الواسع.

رفات الديكتاتور مدفون في «وادي الشهداء»، الذي يضم ضحايا الحرب الأهلية، والحكومة الاشتراكية اعتُبر ذلك إهانة لذكرى ضحايا الحرب الذين قُتل الكثير منهم على يد قوات الجنرال.

انتهت ديكتاتورية فرانكو عام 1975 وبدأت تباشير الديمقراطية فورًا والشعب الذي عانى الويلات من جحيم الطغيان هو من يحمي ديمقراطيته طوال أكثر من أربعة عقود دون أن تتعثّر مسيرتها بل تترسخ في ظل حكم القانون.

العالم الحر يحصن نفسه بالقانون واحترامه وتطبيقه بجدية وصرامة على الرئيس والمرؤوس، ولا أحد يستطيع تجاوزه فهي جريمة كبرى لهذا تتسيّد العالم، بينما في عالم الاستبداد لا قيمة للقانون ويُطبق حسب هوى السلطة ولخدمة الحاكم ونظامه، ولهذا تظلّ بلدان الاستبداد والحكم المطلق في قاع التخلف والجهل والفقر والفساد.

tmyal66@hotmail.com                   

 

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .