دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 30/9/2019 م , الساعة 1:00 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

عصر النهضة العربية إعادة تقييم (2 من 2)

عصر النهضة العربية إعادة تقييم (2 من 2)

بقلم / جهاد فاضل - كاتب لبناني :

إذا ذُكر عصر النهضة ذُكرت مصر على الفور. فقد كانت الحاضنة التي قدّمت لهذا العصر ما كان بحاجة إليه، وما كان مفتقداً في البلدان العربية الأخرى كالحرية والعلم والاتصال بالعالم الحديث. كانت مصر هي الحاضرة أو المدينة في حين كانت البلدان العربية المجاورة لها، أو البعيدة عنها، عبارة عن أرياف تغطّ في النوم. ومع أنها كانت تحت الاستعمار البريطاني. إلا أنها كانت أقوى من مستعمرها. ففيها كانت تصهل أصوات المستقبل المنبعثة من رحم تاريخ عظيم هو تاريخ العرب والإسلام، وفيها التقت النُخَب المصرية والعربية القادمة من الشام والمغرب وتونس وبقية أنحاء العالم العربي بحثاً عن مشروع نهضوي يبدد سُحب الظلام.

في قهوة ماتاتيا بالقاهرة كان يلتقي جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده بفتية مصريين نبهوا فيما بعد منهم سعد زغلول الذي سيلمع اسمه لاحقاً كزعيم «للوفد المصري» وللشعب المصري في آن. وفي مقاهٍ ومنتديات أخرى كان يلتقي الشيخ إبراهيم اليازجي العالم اللغوي والعروبي المتحمس القادم من بيروت بتلامذته السابقين ومنهم الشاعر خليل مطران وبقية «الشوام» وهو المصطلح الذي أطلقه المصريون على هؤلاء القادمين من بلاد الشام ومنها بالطبع بيروت ولبنان. وكان هؤلاء الشوام قدموا مصر هرباً من مناخات القمع التي فرضها العثمانيون، وبحثاً عن مناخات وظروف أخرى. فكانوا لبنة في عمارة شاهقة ساهم عرب كثيرون في بنائها. ويميّز الباحثون اليوم بين جماعتين كان لكل منهما دور في تشييد هذه العمارة أولاهما «الجماعة المصرية» التي بدأت بمحمد علي باشا وبعثاته التي أرسلها إلى أوروبا ومنها رفاعة رافع الطهطاوي، وعادت بخير وفير على مصر إذ حملت معها بذور التقدم الأوروبي. وثانيهما «جماعة الشوام» التي ساهمت في تأسيس النهضة وبخاصة جانبها العلمي. ويكفي أن نذكر مجلة المقتطف وآل صروف وشبلي شميل وما نشرته هذه المجلة من أفكار سواء عن نظرية التطور وأصل الأنواع وما بثته من فكر لم يكن معروفاً أو مألوفاً في العالم العربي يومها. وإلى اليوم ما تزال تصدر مجلة «الهلال» لمؤسسها جرجي زيدان التي لعبت دوراً تاريخياً في خدمة الأدب والفكر والنهضة. دون أن ننسى بقية الشوام ومنهم فرح أنطون وسجاله مع محمد عبده حول الفيلسوف ابن رشد، وعبدالرحمن الكواكبي صاحب «مصارع الاستبداد».

وأبلى المثقفون المصريون بالذات بلاءً عظيماً في شق الطريق أمام فكر جديد لم تعرفه البيئة المصرية والعربية قبلهم. فها هو طه حسين العائد من السوربون يفتتح مرحلة إرساء المناهج الجديدة في كتابه عن «الشعر الجاهلي» ويثير معركة حول بعض ما ورد فيه تقوده إلى المحاكم. وتتواصل معارك الفكر في مجلة «الهلال» عقب وصول المفكر المصري سلامة موسى إلى رئاسة تحريرها فيدعو إلى ربط مصر بالحضارة الغربية ربطاً نهائياً والقطع مع ما سمّاه بالمؤثرات الآسيوية. ونفهم من حوارات شتى لنجيب محفوظ أن سلامة موسى كان له تأثير عميق في تكوينه عندما كان لا يزال شاباً يعمل في مجلة فكرية كان يصدرها موسى. وكان موسى في واقع أمره عبارة عن تلميذ للجمعية الفابية البريطانية وللفكر الاشتراكي الذي كان سائداً في المملكة المتحدة والذي كان يبثه سلامة موسى في مجلته.

ومن بين الأسماء النهضوية البارزة في مصر في تلك الفترة أحمد لطفي السيد الملقب بأستاذ الجيل، والشيخ مصطفى عبدالرازق شيخ الجامع الأزهر وشقيقه الشيخ علي عبدالرازق صاحب كتاب «الإسلام وأصول الحكم»، وعباس محمود العقاد وإبراهيم عبدالقادر المازني والدكتور منصور فهمي وعبدالعزيز فهمي باشا وأحمد زكي باشا الملقب بشيخ العروبة.

وتميز ذلك العصر بتحرّر مثقفيه ومفكريه وأدبائه من الوجل والخوف وبتجرئهم على السلطة وعلى كل شيء. فها هو العقاد يعلن تحت قبة البرلمان أن بإمكانه وهو كاتب الشرق الأول بالحق الإلهي، كما وصف نفسه أن يحطّم أكبر رأس في البلد، فلا يكون جزاؤه سوى الإقامة في السجن عدة أسابيع. وها هو كاتب آخر يكتب عشرة مقالات في إحدى الصحف عنوانها (لماذا أنا ملحد) فلا يُساءَل عما كتب، وكل ما أصابه من جزاء هو أن كاتباً آخر ردّ عليه بعشرة مقالات أخرى عنوانها (لماذا أنا مؤمن)..

وكان العصر عصر إطلاق التيارات والأفكار الجديدة والتعامل مع التراث العربي والأجنبي تعاملاً نقدياً حرّا كما فعل طه حسين والعقاد وإسماعيل مظهر وسواهم من أعلام مصر والعرب.

وفي ذاك العصر عرفت مصر أحزاباً تقدمية كالحزب الشيوعي المصري والحزب الاشتراكي وحزب مصر الفتاة، ودعا آخرون إلى إلغاء النظام الملكي واستبداله بالنظام الجمهوري.

وازدهرت في مصر الترجمات عن الأجنبية ودور النشر التي كان الشوام من روادها ومنهم نجيب متري صاحب «دار المعارف بمصر» التي أممها عبدالناصر كما أمم سواها وكما أمّم كل المنابر والمجلات والجرائد كالهلال والأهرام، أي أنه عملياً خنق كل أصوات الحرية والنهضة وافتتح عصراً يمكن تسميته بعصر شرح «خطب الرئيس» كان نجمه اللامع الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل، وإذا كان من الممكن النظر إلى طه حسين على أنه رمز عصر النهضة وقيمه، فإن من الممكن اعتبار الكاتب أنيس منصور أو مذيع صوت العرب الشهير أحمد سعيد بمثابة رموز عصر عبدالناصر وخلفائه.

اليوم يوم آخر. فلا ظروف موضوعية مؤاتية لاستئناف عصر النهضة العظيم في زمن الجهل والفقر والمهجرين والنازحين والمخيمات وسائر الانهيارات.

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .