دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الثلاثاء 3/9/2019 م , الساعة 6:09 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

الإرث السياسي القديم وعملية الانتقال

الإرث السياسي القديم وعملية الانتقال

بقلم : د. خالد التيجاني النور (كاتب وصحفي سوداني) ..

وأخيراً وبعد نحو خمسة أشهر من الصراع المدني العسكري على وراثة سلطة نظام الرئيس السابق عمر البشير بكل تركته المثقلة، بدأ تنفيذ الاتفاق السياسي بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير لتأسيس هياكل السلطة الانتقالية بإعلان عضوية المجلس السيادي المختلط، وتعيين الدكتور عبد الله حمدوك رئيساً للوزراء الذي شرع في مشاورات تشكيل حكومته وهي خطوات على أهميتها في إنهاء حالة الضبابية السياسية والفراغ الدستوري والعجز القيادي الذي شهدته البلاد خلال الأشهر الماضية، إلا أن الملابسات والممارسات التي رافقتها أثارت الكثير من القلق والمخاوف حول مستقبل عملية الانتقال المواجه بالكثير من التحديات والتعقيدات.

ولعل أبلغ عبرة جسّدها التعثر الذي لازم تنفيذ الوثيقة الدستورية الحاكمة لعملية الانتقال من أول خطواتها، فالمشكلة ليست في أشخاص من تم اختيارهم من المدنيين لعضوية مجلس السيادة، ولا في الجدل الذي احتدم حول تعيين قادة الأجهزة العدلية، ولكن العبرة الأعظم أن يبدأ عهد المرحلة الانتقالية المرتجاة بمفارقة وقطيعة كاملة مع النظام الشمولي السابق باستلاف أسوأ ممارساته في إدارة لعبة السلطة بعقد الصفقات الثنائية وفق معايير المحاصصة والاعتبارات الجهوية والعرقية.

ففي ذلك أكبر هزيمة لمعنى الثورة، أن تكشف القوى السياسية التي فوّضها الثوار الفشل في التعبير عن روحها ومغازيها، وأنها قيادة لا تحمل بديلاً ولا جديداً في أول اختبار لمدى تمثيلها لأجندة التغيير، فالجدل حول الممارسة الراهنة التي أثارت الكثير من الاستياء يعيد إنتاج ممارسات النظام السابق على نحو يطرح الكثير من التساؤلات، ويكشف عن عمق أزمة النظام السياسي السوداني القديم الذي يمثل النظام السابق أحد تجلياته، وهو لا يكاد يغادر مربع قواعد اللعبة التي أرساها، وأضاعت البلاد والعباد.

أما المسألة الأخرى التي ستخلّف آثاراً سلبية في الفترة الانتقالية فهي لجوء قوى الحرية والتغيير لنقض تعهداتها السياسية وخرق الوثيقة الدستورية دون مسوّغات، لتضع بذلك سابقة تعيد إنتاج ممارسة التمادي في نقض العهود والمواثيق التي طالما أضرت بالبلاد، وجعلتها تدفع ثمناً غالياً لعدم الوفاء بالعهود، فإعلان الحرية والتغيير وكذلك بيانات مكوناتها السياسية المعلنة ظلت تؤكد على عدم انخراطها في مؤسسات الفترة الانتقالية وترك ولاية المواقع العامة في هياكل الفترة الانتقالية للكفاءات غير الحزبية.

ولكن سرعان ما ظهر التراجع عن تلك الالتزامات حين دفعت هذه القوى السياسية نفسها بمرشحيها لملء مقاعد المجلس السيادي دون أي اعتبار لوعودها، ثم جاءت محاولاتها بالالتفاف على الوثيقة الدستورية التي حددت آليات تعيين رئيس القضاء والنائب العام لتصب المزيد من التساؤلات حول عدم وعي قادة الائتلاف بخطورة الإقدام على خرق الوثيقة الدستورية وهي لا تزال في بادئ أمرها، وهي أمر لن يمضي وقت طويل حتى تكتشف فداحة عواقبه.

صحيح أن خارطة طريق الفترة الانتقالية التي تم الاتفاق حولها كانت خطوة مهمة، لكنها لم تكن المعادلة الأفضل لو كانت الأجندة الوطنية وحدها هي التي كانت تحكم مسار التفاوض، فقد تداخلت طموحات ذاتية غير مشروعة لم تضع بالاً لتضحيات الأجيال الشابة من الجنسين مع أجندة أجنبية لأطراف إقليمية ودولية لتقطع الطريق عليها، جاء الاتفاق كمعادلة ممكن فرضها الأمر الواقع ثمرة توازن القوى الراهن بين القوى المدنية والقوى العسكرية التي ظلت دائماً على الجانب الخاسر من التاريخ وقد فشلت الأنظمة الحاكمة باسمها تسيطر على السلطة لأكثر من نصف قرن منذ استقلال السودان دون أن تحقق إنجازاً وطنياً كفيلاً بالخروج من ربقة الحروب والفقر والتهميش.

وفي ظل هذه الخلفيات المعقدة فإن المشهد الراهن أقرب للتعبير عن مفاهيم وممارسات النظام السياسي السوداني القديم القائم على صراع النخب على الامتيازات والمكاسب، وفي ذلك دلالة كافية على أن روح الثورة لم تحل حتى الآن في أجندة الأطراف الفاعلة، فالذهنية القديمة لا تزال تسيطر على ممارسات الجانبين العسكري والمدني الحزبي على حد سواء، فيما لا يزال الغائب الأبرز هو أجندة التغيير الحقيقية التي سعى إليها الحراك الشبابي الثوري الذي أحسن الظن بالمنظومة السياسية القديمة فأوكل لها التفويض بتمثيله في محادثات الانتقال، ليكتشف متأخراً أن آفاق المستقبل التي تطلع إليها بعيدة عما يجري في أرض الواقع.

يعكس هذا العجز حالة الفراغ القيادي التي تعاني منه البلاد بفشل بيّن في إدارة حكيمة للشأن العام قادراً على استلهام معاني الثورة السودانية الثالثة وتطلعاتها عند الجيل الجديد، والتعبير الحقيقي عن مطالبها، كما يثبت من جانب آخر أن القوى الثورية الشبابية لا تزال تمتلك القدرة على التدخل لمنع تمرير أجندة لا تعبر عن متطلبات التغيير الحقيقي، وهي ما يشي من جهة أخرى إلى أن الثورة التي لا تزال نضالاتها تتواصل وتدخل طوراً جديداً يهدف إلى أبعد من إسقاط نظام الحكم السابق، إلى إسقاط ذهنية المنظومة السياسية السودانية القديمة بكل تجلياتها، وهذه معركة وعي عميقة ستطول حتى تحقق أهدافها.

ومع ذلك لا تزال الثورة الشعبية السودانية الثالثة، والأجيال الجديدة التي فجّرتها تواصل نضالها لتحقيق أهدافها في طلب الحرية والعدالة والسلام وتأسيس نظام سياسي سوداني جديد في قطيعة تامة مع إرث الاستبداد والطغيان والتخلّف والتهميش والحروب الأهلية المستدامة التي أقعدت البلاد طوال سنوات الاستقلال التي تجاوزت ستة عقود وسط تخبط الأنظمة التي تعاقبت على الحكم، وتحمّلت بأقدار مختلفة من المسؤولية، تناسل العجز والفشل في ظل غياب مشروع وطني جامع تقاصرت عن بلوغه النخب السياسية المعطوبة التي استبدلت الاستعمار بسلطة وطنية لم تستطع الخروج من شرنقته، فقد غاب رسماً، وبقيت حاضرة معطياته التي صنعت من الدولة الحديثة وسيلة لتعزيز سلطانها، وخدمة أجندة وامتيازات النخب الحاكمة على حساب الشعب.

khalidtigani@gmail.com               

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .