دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الثلاثاء 3/9/2019 م , الساعة 6:09 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

تونس تصنع الرؤساء

تونس تصنع الرؤساء

بقلم : صلاح الدين الجورشي ..

أن تكون رئيسا في تونس رغبة لم تعد مستحيلة. ففي يوم 15 سبتمبر القادم يتوجه التونسيون لاختيار رئيس جديد، وسيجدون أنفسهم عندما يدخلون الخلوة أمام ورقة تحمل أسماء 26 مرشحًا توفرت فيهم الشروط القانونية، من بين 98 قدموا ملفاتهم. إنها تخمة رئاسية بامتياز، وهو ما جعل الأغلبية الساحقة تجد نفسها حتى الآن مترددة، لا تعرف لمن ستمنح صوتها، وهي مطمئنة تمامًا بكونها قد أحسنت صنعًا.

الجميع يطلبون ود المواطن، ويحاولون كسب ثقته من خلال عشرات الوعود التي قدمت له قبل انطلاق الحملة الرسمية. قال المرشحون الكثير من الكلام الجميل، ويستعدون حاليًا لاستعراض قدراتهم على الحديث خلال المناظرات التي ستنظم لأول مرة في تونس. سيكون مشهدًا فريدًا في العالم العربي، إذ سيوزع هؤلاء على ثلاث مجموعات، سيظهرون على الشاشة في حوارات تجمع بين ثمانية وتسعة مرشحين؛ كل يدّعي وصلا بليلى، في محاولة أخيرة لن تتجاوز نصف ساعة فقط، وعلى كل منهم أن يثبت جدارته بأن يدخل قصر قرطاج ويجلس على ذلك الكرسي الذهبي.

رغم أهمية هذه اللحظات التاريخية التي ستتوفر للشعب التونسي، إلا أنه (الشعب) أصيب في الفترة الأخيرة بكثير من التردد، ووجد نفسه غير قادر على حسم أمره بسهولة واختيار المرشح الأفضل له. يعود ذلك إلى أن التجربة الديمقراطية القصيرة التي عاشتها البلاد حتى الآن، ما جعلت المواطن حذرًا من عموم السياسيين. فهم يتحدثون كثيرًا ويعملون قليلاً، فضلا عن أن ممارسة بعضهم تأتي خلافا لما يقولون. وهذه معضلة ضخمة تواجه الشعوب التي تريد أن تحكم نفسها بنفسها.

الشعب مثل الفتاة الحالمة، تصدق في البداية كل ما يقال لها ممن يتقدم للفوز بها، لكن ما إن يحصل القرب ويمر الاختبار حتى تصاب بخيبة قاسية، وتكتشف أن الذي ارتبطت به ليس هو نفس الشخص الذي فرش لها الطريق وردًا وحوّل ليلها إلى نهار مضيء. لهذا تراها في المرة التالية تصبح أكثر شكا، لا تصدق ما يقال لها؛ لأن المرء الناضج لا يلدغ مرتين، فما بالك الذي لدغ مرات عديدة.

واضح من خلال الحوارات التي سجلت مع الكثير منهم؛ أن معظم المرشحين أعطوا الأولوية لمضمون الخطاب وشعاراته، وتم التركيز على مسائل مطروحة، سواء تعلقت بصلاحيات رئيس الدولة أو بغيرها من المسائل والملفات التي تكون من مشمولات رئيس الحكومة. لكن لو تم توجيه الكاميرا نحو الجمهور في محاولة للغوص في أعماقه، لتبين أن مضمون الخطاب السياسي لا يعنيه كثيرًا بسبب الشكوك التي تسكنه. لا يعني ذلك أن الاختيارات الكبرى فقدت قيمتها لدى التونسيين، وإنما القصد أن موقف الكثير منهم سيبقى محكومًا إلى حد ما بالانطباع الذي سيستقر لديهم حول كل مرشح، والصورة التي ستتشكل عندهم في آخر لحظة حول هذا الشخص أو ذاك.

من هنا تأتي أهمية الصورة التي سيسهم الإعلام في نحتها، والتي سيظهر بها المترشح طريقته في الحديث، ومدى احترامه لعقول مستمعيه، ومدى قدرته على الإجابة بوضوح عن أسئلة الإعلاميين، وإلى أي حد يستطيع تجنب الوقوع في مطبات الخصوم.

للمظهر الخارجي دور كبير في فرض الحضور الشخصي للمترشح، خاصة خلال المشاركات التلفزيونية. هناك وجوه تريح المشاهد وأخرى توتره وتستفزّه، كما أن للابتسامة الطبيعية وقعًا خاصًا يمكنها من أن تولد التعاطف مع صاحبها. للذكاء الفطري وقعه الخاص على الغالبية، أيضًا سرعة البديهة عنده تفتح الأبواب الموصدة أمامه. باختصار، الرئيس صورة تصنعها أجهزة مختصة وخبراء في مجال التواصل، إلى جانب عوامل ذاتية وملابسات لها علاقة بالظرف والسياق، وبالموهبة والموروث والثقافة أيضًا. قطعًا توجد موازين قوى تتدخل لصالح هذا المرشح أو ذاك. فالذي وراءه حزب قوي وممتد سيجعله يتمتع بماكينة انتخابية رهيبة، كما سيجد تحت تصرفه شبكات مالية وإلكترونية قوية وفعالة، مقابل آخرين يتحركون داخل حدود ضيقة؛ لا يتمتعون بالمساندة الكافية في حملة رئاسية صعبة. فحركة النهضة كانت تنعت من قبل بكونها صانعة الرؤساء بسبب قاعدتها الانتخابية الواسعة، أما اليوم فقد انتهى هذا الدور، وأصبحت تعمل لحسابها الخاص بعد أن قررت خوض الانتخابات الرئاسية.

مع أهمية الأحزاب واللوبيات التي أصبح لها دور كبير في تونس، هناك مرشحون عاديون، ليس لهم انتماء حزبي معروف، ولا يملكون تجارب سياسية بارزة أو حتى بسيطة، مع ذلك قفزت أسماؤهم عاليًا لتتصدر نتائج استطلاعات الرأي. وفي المقابل، يلاحظ أن يوسف الشاهد الذي بقي رئيسًا للحكومة طيلة السنوات الثلاث الأخيرة، يواجه صعوبات شتى حتى يعود إلى مقدمة السلم بعد انهياره الأخير في بورصة المرشحين، وهو ما جعله يردد أنه قد يقدم ثمنًا قاسيًا بسبب الإصلاحات الاقتصادية التي قام بها، ويعتقد بأنها ستؤتي أكلها خلال السنة القادمة.

بعد أسبوعين سيكتشف التونسيون رئيسهم المقبل.. إذ لا أحد الآن قادر على معرفة علم الغيب.. تحيا الديمقراطية التونسية.

نقلا عن عربي ٢١

                   

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .