دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الخميس 5/9/2019 م , الساعة 4:20 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

المرافئ الآمنة للثروات

المرافئ الآمنة للثروات

بقلم / د. علي محمد فخرو - كاتب ومفكر بحريني :

في كتاب «أرض المال»، للكاتب الصحفي أولفر بولوخ، يسرد المؤلف تفاصيل المئات من القصص والأحداث التي تجري في عالم الثراء والأثرياء. الجانب الذي يهمّنا هو ما يذكره عن الطرق والأساليب والحيل التي يستعملها أصحاب الثروات الطائلة لإخفاء ثرواتهم في بلدان آمنة، حيث لا يطرح أحد أي سؤال عن مصدر المال ولا مالكه الحقيقي ولا أية تفاصيل عن مآله المستقبلي. في هذه البلدان، المسماة بجنات المال الآمنة، تسود السريّة التامّة بشأن الأموال التي تحوّل إليها، والبنوك التي ستوضع فيها، والشركات الوهميّة التي سترعى امتلاكها، والفوائد التي ستربحها، والعقارات والأسهم والصفقات التي ستكون تلك الأموال أداة من أدوات شرائها أو تنفيذها.

يتحدّث الكتاب عن ثروة قدّرت في سنة 2010 بأنها تراوحت ما بين عشرين وثلاثين تريليوناً من الدولارات. الأمر الصادم المُرعب هو أن الكاتب يقدّر النسبة المئوية من ثروات الأغنياء الأمريكيين التي تخرج إلى خارج أمريكا بما فيها تلك الأماكن السريّة الآمنة بأربعة في المائة من الثروة الأمريكية الهائلة، لترتفع النسبة إلى عشرة في المائة من ثروة الأوروبيين، ثم لتصعد النسبة إلى ثلاثين في المائة من ثروة الأفريقيين، ثم لتصل إلى نسبة صادمة تقدّر بسبع وخمسين في المائة من ثروة أغنياء منطقة الخليج.

لا يذكر المؤلف نسب ثروات أغنياء المناطق العربية الأخرى، لكن الإنسان يستطيع أن يخمّن بأنها ستكون هي الأخرى من أعلى النسب، خصوصاً أن أغلبها تتحكم في أنظمتها السياسية الحاكمة أقليات باسم الحزب القائد الطليعي، أو الجيش الوطني المنقذ، أو الجماعة المذهبية الطائفية التي تدعي تعرّضها لمظالم تاريخيّة، أو العائلة المنتمية لهذا النسل الديني أو ذاك البطل التاريخي، أو الجماعة السياسيّة المشمولة بحماية القوى الاستعمارية الخارجيّة.

تحت هكذا أنظمة حكم لا تملك الشرعية الديموقراطية تغيب مؤسسات الرقابة والمحاسبة السياسية والقانونيّة، وتترسّخ الذمم المالية الفاسدة، التي تسهّل نهب الثروات العامة ونقل جزء منها بشتى الصور إلى الخارج لتصل إلى المرافئ المالية الآمنة الشهيرة، حيث تتركز صناعة استلام تلك الثروة بسريّة تامة، تم تقديم الاقتراحات بشأن طرق استثمارها أو صرفها على حياة البذخ، بعيداً عن أعين المتطفلين من المراقبين الرسميين أو جهات جمع الضرائب.

المهزلة تتمثل في أن بلدان العالم التي تسمح أوضاعها السياسيّة والإداريّة بنهب الأموال أو التهرّب من دفع الضرائب، ومن ثم تهريب تلك الثروة الوطنيّة إلى تلك المرافئ لاستثمارها أو صرفها في الخارج، لا تخجل سلطاتها من الشكوى المضللة بشأن قلة الاستثمارات التي تأتي إليها من الخارج، وبالتالي محدودية نموها الاقتصادي، الأمر الذي يقود إلى ادعاء آخر من أن ليس لديها المداخيل الكافية لصرفها على الخدمات العامة الأساسية الضروريّة من مثل التعليم والصحة والإسكان والمعونات الاجتماعيّة والبطالة والتقاعد.

ويتكفل الإعلام الحكومي أو الإعلام الخاص الزبوني أو أصحاب الأقلام المدفوعة الثمن لإقناع المواطنين بصدق تلك الادعاءات وتبرير تخلي الحكومات عن مسؤولياتها الخدمية العامّة، خصوصاً أن الأيديولوجية النيولبرالية العولمية تبارك ذلك.

هنا تكتب قصائد المقارنة مع دول أخرى تعيش أوضاعاً أسوأ أو تعيش في مصيدة حروب أهليّة مدمرة فرضها الاستعمار وحاكتها مخابراته، كما هو الحال في بعض بلاد العرب.

وتصل المأساة الكوميدية إلى قمتها عندما تقوم جهات التبرير والكذب تلك بالطلب من المواطنين أن يحمدوا الله على أنه أنعم عليهم في هذه الفترة العصيبة بوجود قائد تاريخي ملهم فذ أو أب عيلة محب لأولاده سيكون قادراً على إخراجهم من الوضع المُتردي الذي هم فيه في المستقبل القريب، وما عليهم إلا الصبر والانتظار.

إنها نفس المأساة الكوميدية التي كان يمثلها في الماضي ملاك العبيد الذين كانو يطالبونهم بقبول مبدأ وعار عبوديتهم في سبيل حصولهم مجاناً على الطعام والمسكن والأمان والرفق وعدم القسوة في التعامل معهم من قبل مالكهم وسيدهم.

أما الحديث عن تبديل أو إصلاح النظام السياسي والنظام الاقتصادي ونظام العلاقات الاجتماعية الخالية من العدالة والمساواة في المواطنة فإنه يوصف بأنه حديث لا يجلب إلا الخلافات والصراعات والإرهاب وعدم الاستقرار. العبيد يجب ألا يثوروا على مبدأ وعار عبوديتهم، وإنما يجب أن يكتفوا بالمطالبة بتحسين أوضاعهم والحصول على أكبر قدر من الصدقات وفتات الأعمال الخيريّة التي يوزعها الأقوياء والأغنياء، شرط ألا تمسّ الأسس التي قام عليها النظام الذي سمح لهم بتكديس الثروات.

هناك من يقول بأن النظام العولمي المالي الحالي سمح باتساع وانتشار تلك الظاهرة، التي في محصلتها تخدم البلدان الرأسمالية الغنيّة ومدن مرافئ الأمان من مثل جرسي في أوروبا ونفيس في البهاماز. لكن اللوم الأكبر يقع على الفساد المالي والقانوني والسياسي الذي أصبح وباء العصر الذي نعيش. فالمشكلة ليست فقط في وجود دول عالم ثالث تسمح أنظمتها بنهب الثروات وإخراجها، وإنما هي أيضاً في وجود دول غنيّة تسمح بانتقال تلك الثروات إليها، حتى ولو كانت عبر وسائل غامضة مليئة بالأسرار والتعقيدات. إنه طمع السوق الرأسمالي الذي لا يشبع.

فالدول الرأسمالية الكبرى التي وضعت في مدينة بريتون وودز، عام 1944، قواعد تضبط انتقال الرأسمال بين دول العالم من أجل الاستقرار المالي العالمي، هي نفسها التي تتخلى عن تلك الضوابط، تماماً كما تفعل أمريكا الآن بالنظام النيولبرالي الرأسمالي الذي وضعته منذ أربعة عقود، إذ تدوس عليه من أجل مصالحها الوطنيّة الضيّقة.

السؤال الذي يهمّنا هو: ما هي الأسس والأنظمة والاحتياطات التي يجب أن تناضل المجتمعات العربيّة من أجل وجودها لحماية ثروات تلك المُجتمعات؟ إنه سؤال يستحق الإجابة.

 

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .