دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 9/9/2019 م , الساعة 3:43 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

النكبات الثلاث الكبرى في تاريخ العرب الحديث (٢ – ٢)

النكبات الثلاث الكبرى في تاريخ العرب الحديث (٢ – ٢)

بقلم / جهاد فاضل - كاتب لبناني :

على الرغم من النتائج الكارثية لنكبة فلسطين عام ١٩٤٨ ولنكبة يونيو/ حزيران ١٩٦٧ وأولها تفشي روح الهزيمة في الذات العربية، فإن قلب الأمة العربية الجريح بقي ينبض وبقيَ واحداً لم يتمزق، وقبل كل شيء بقي صامداً لا يفارقه الأمل في المستقبل. ولكنه انهار نتيجة تفشي مرض آخر أشد فتكاً من الهزيمة «اسمه المذهبية» وعوارضه انقسام العرب بين سنة وشيعة وعودة الفتنة القديمة بين أنصار كل من علي ومعاوية، صحيح أن هذه الفتنة كانت قد أوت إلى النسيان إلا أنها سرعان ما عادت ظافرة والتهبت عقب استيلاء الملالي على السلطة في إيران في السبعينيات وانحياز الشيعة العرب بوجه عام إلى إخوانهم شيعة إيران وبالتالي حصول شرخ بالغ الخطورة في الذات والإرادة والولاء عند العرب، قبل هذا الشرخ كان هناك شعب عربي واحد كما كان هناك إسلام واحد. أما بعده فصار هناك عربان وإسلامان: جهتان لكل منهما بوصلته وقناعاته وولاءاته وهو وضع مستجد لم يعرفه العرب في السابق على هذا النحو. صحيح أنه كانت هناك على الدوام علاقات غير مستقرة متوترة حيناً أو غير متوترة حيناً آخر، إلا أنها لم تصل مرة إلى ما وصلت إليه في ثلث القرن الماضي فقد حلت المذهبية محل الإسلام أو محل العروبة أو محل الوطنية والقومية. باتت العروبة تخص أهل السنة بنظر الشيعة، وبات للشيعة ولاء آخر مختلف، وعلى الرغم من أن الإسلام عرف على الدوام مذاهب مختلفة، إلا أن الشقة اتسعت في عالم الإسلاميات المعاصر وبات التقارب متعذراً أو مستحيلاً بين المؤمنين الذين يفترض أنهم أبناء دين واحد. وبدلاً من الحديث السابق الذي كان يقول بيقظة عربية للروح والوجدان حصلت يقظة أخرى للفتنة التي نهى عنها الإسلام.

تمزقت اللحمة الروحية للعرب بل تمزقت الأوطان نفسها وباتت الأنظمة والحكومات من تسويات هشة يسعد المرء إذا حصلت ودامت لأن الأصل هو الاقتتال والتناحر وبات أمراً عادياً أن يقرأ المرء خبراً في الصحف يقول إن قائد إحدى الميليشيات العراقية واسمه قيس الخزعلي يقود حملة عسكرية على الموصل للثأر للإمام الحسين من أحفاد معاوية وكل هذا إن دل على شيء فعلى أن جرثومة التخلف تفتك أيما فتك بشعوبنا وتعيق السير نحو تقدم الأمة العربية الذي يفترض أن يكون غاية الجميع ومن كل الطوائف والمذاهب.

على أن التخلف ليس مجرد مفهوم نظري مجرد، وإنما هو مؤسسة فاعلة تعمل بإمرتها أدوات كثيرة، من هذه الأدوات المدارس والمعاهد والجمعيات والكثير من رجال الدين الذين يصورون الفرقة القائمة على أنها قضاء وقدر إلى يوم الدين ولا يتصدون لهذه الفرقة ويعلنون الحرب عليها باسم الدين نفسه الذي يدعو بداهة إلى الوحدة.

إن غياب رجال دين مثل الأفغاني ومحمد عبده وغياب المرشد الاجتماعي وغياب وزارات الثقافة ورجال الدولة ذوي القامة التاريخية هو الذي أوصلنا إلى ما وصلنا إليه، إن انتماء ألمانيا إلى مذهبين مسيحيين تنافرا حيناً طويلاً لم يمنعها لا من أن تتوحد ولا من الوصول إلى الحضارة الباذخة التي تنعم بها.

وبالإضافة إلى غياب من ذكرنا يغيب المؤرخون والباحثون الذين بدلاً من أن يكتبوا عن تاريخ العرب والإسلام بعقل مستنير وفكر منفتح يصبون الزيت على النار وينحازون إلى الفتنة بدل العمل على وأدها. ومن يراقب ما يجري في هذا الحقل بالذات يجد أن عودة الرشاد وانتصار العقل مستبعدان في المدى المنظور.

في الماضي أي قبل نصف قرن من اليوم كان العربي إذا سئل عن هويته وانتمائه يرد بأنه عربي مسلم، الآن بات العربي سنياً أو شيعياً، في الماضي هذا كانت الحركات القومية العربية تضم من الشيعة أكثر مما كانت تضم من السنة، مع الوقت بات لكل منهما حركاته وأحزابه وتوجهاته، ولكل هذا أثره على حاضر العرب ومستقبلهم.

في ظل النكبتين الأوليين، نكبة ١٩٤٨ ونكبة ١٩٦٧ وعلى الرغم من مناخ الهزيمة، لم يفقد العرب إيمانهم بالغد وظلت نخبهم الفكرية والسياسية تحلم وتفكر وتعمل من أجل التقدم والوحدة، كانوا يقولون إن كل الأمم تمر بالنكبات والكوارث ولكنها تتجاوزها مع الوقت وتستأنف سيرها ولكن المذهبية كانت سلاحاً أمضى بيد إسرائيل وباقي أعداء العرب من أي سلاح آخر قضى هذا السلاح على وحدة الشعب، على وحدة الروح والوجدان فيه، على العروبة ذاتها التي يفترض أنها الجامع الواحد بين العرب، على أنها الأصل والولاء والوطنية والغد والمصير والمرجع، فإذا بالغريزة والضعف المركون في الذات وإذا بالتخلف الذي نقيم في رحابه منذ مئات السنين ومعه عبء التاريخ يتغلب على العروبة وعلينا جميعاً ويعلن انتصاره إلى يوم القيامة.

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .