دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 9/9/2019 م , الساعة 3:43 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
الصفحة الرئيسية : اّراء و مقالات : المنتدى :

موغابي يختتم مسيرة إرثَينِ

موغابي يختتم مسيرة إرثَينِ

بقلم / منى عبد الفتاح -  كاتبة سودانية :

بماضٍ ثوريٍّ وإرثٍ ديكتاتوريٍّ، فارقَ الرئيسُ الزيمبابويُّ السابقُ روبرت موغابي الحياةَ يومَ الجمعة الماضي دون أن ينسى العالمُ دورَه الكبيرَ في العيشِ بين مفهومَين متناقضَين. فقد كان عكس الثوريين الأفارقة الذين يبدأون حياتَهم النضالية تحت نير الاستعمار وينتفضون متحولين إلى ثوارٍ تنال بلادهم بفضل نضالِهم استقلالَها؛ بدأ موغابي ثوريًّا وانتهى ديكتاتورًا مارس ظلمًا وتعسّفًا بحقِ شعبه. فصحيفته مليئةٌ بانتهاكاتِ حقوقِ الإنسان وفساده وحاشيته وأسرته وسوء إدارته لاقتصادِ بلادِه التي أفقرت الملايين.

مرت هذه المسيرةُ الطويلةُ بين شدٍّ وجذبٍ حتى الانقلاب العسكري الأخيرِ على حكمِه في عام 2017م. وبتأمل الانقلابِ العسكري الذي أوصل رئيس زيمبابوي روبرت موغابي إلى تقديمِ استقالتِه، وتولي نائبه إيمرسون منانغاغوا العائدِ من المنفى منصبَ الرئيس، يُلاحظُ أنّ هناك سمةً جديدة ميّزته عما سواه من الانقلاباتِ في إفريقيا التي اشتهرت بالعنفِ والدموية. ولعل هذا ما يمكن تفسيرُه في عدةِ عواملَ أهمُها تحفّزُ البيئة الداخلية والتحرّك الشعبي للتغيير، وقد لاقى ذلك هوىً في نفوسِ الحرسِ القديم الذين خاضوا حرب شوارع في سبعينياتِ القرن الماضي ضد حكمِ الأقلية البيضاء. انتظر الحرس القديمُ الذي يسيطرُ على السلطاتِ الأمنية تصاعد الطموحاتِ السياسية للسيدة الأولى غريس موغابي حتى وصلت ذِروتها، ثم بدأوا استعادةَ سيطرتهم على مقاليدِ الحكم في زيمبابوي.

كما أنّ هناك عاملَ التأثيرِ الخارجي والموقف العام من المؤسسةِ العسكرية كأداة للتغيير. ووفقًا لذلك فإنّه نما إلى إدراكِ قائد جيش زيمبابوي الجنرال كونستانتينو شيوينغا وإيمرسون منانغاغوا من منفاه، أنّ الانقلاب العسكري إذا تم بشكلٍ أسرع وأعنف دون إرغام موغابي على التنحي فلن يعُترفَ به من قبلِ الاتحاد الإفريقيِ أو الرأي العام الغربي، كما يمكن أن يُتخذ ذريعةً للتدخّل أو وسيلةَ ضغط من أجل أهدافٍ أخرى.

أنهى موغابي حكمَه بالإشادة بالمكوّنات السياسية المهمة في البلاد، الجيش والحزب الحاكم وحركة قدامى المحاربين. ولم يكفّ عن إزجاء النصائح كما يفعلُ منذ أن نصّب نفسه الزعيم الحكيم لإفريقيا، بالحضّ على وحدة البلاد والاعتراف بمخاوف الجيش في إشارة إلى الكيفية التي قاموا فيها بالعمليةِ، ثم دعا إلى تعلّم الصفح وحلّ التناقضات بروح الوفاقِ في زيمبابوي. وهذه المواعظُ ترجع بالذاكرة إلى أنّه كان يعيشُ على أجواء التألق والبطولة منذ أيام المقاومة وبعد نيلِ بلاده الاستقلال، قبل أن يتصف بالديكتاتوريةِ والدموية لاحقًا. سُلّطت على ممارسات موغابي كَميات من الأضواء الغربية فتحوّل من محرّرٍ للأرض إلى مستبد استلذّ بالبقاء على الكرسي بأي ثمنٍ، وباحتكاره السلطة وتقييد الحريات صنع عداوات على مستوى الداخل ودول الجوار، وعلى مستوى القوى الدولية بزعامة بريطانيا التي دفعت الاتحاد الأوروبي إلى فرض عقوباتٍ قاسيةٍ على بلاده وتبعتها الولايات المتحدة في ذلك مع دعم معارضة حكومته.

غير النكات العنصرية التي كان يصدرُها في كل المناسبات على مستوى القارة الإفريقيةِ ضد البيض، ويتمّ الاحتفاء بها باعتبارها مناهضةً بأثرٍ رجعيٍ لعهود الاستعمار الغربي على القارة والفصل العنصري في جنوب إفريقيا، دومًا ما كان روبرت موغابي، يغتنمُ الفرصةَ أثناء اللقاءات الإقليميةِ لمهاجمةِ مجلسِ الأمن الدولي والولايات المتحدة وبريطانيا.

لا تخرجُ حالة زيمبابوي عن الهيمنة المتأصلة في تاريخ هذا البلد إبان الحرب العالمية الثانية حين تمّ توزيع الأراضي الزراعية في البلاد على قدامى المقاتلين البريطانيين وحلّوا محل مئات الآلاف من العائلات من المواطنين الذين تم تهجيرُهم لهذا الغرضِ. وعندما فشلت الدولةُ الوطنية بعد الاستقلالِ، تحوّل حزب حرب التحرير إلى طبقةٍ متصالحة مع المستوطنين البيض في زيمبابوي ومع النظامِ العالمي، على حساب أهداف نضال أبناء زيمبابوي الذي كان من أجل الاستقلالِ واسترجاع أرضِهم.

ومواصلةً لثوريته قرّر موغابي دعم المجتمعَ الريفي الثائر من أجل استعادةِ أراضيه وقاد مشروعَ الإصلاحِ الزراعي بمعاونةِ المقاتلين القدامى في حربِ الاستقلالِ، ومئاتِ آلاف المزارعين الذين لا يملكون أرضًا، وتمّ طردُ المستوطنين البيضِ من أربعةِ آلاف مزرعة وإحلالُ أكثر من مئة ألف عائلة من السود مكانَها، محاولًا بذلك أن يُرضي الشعبَ للاستمرار في الحكم. هنا بدأت المواجهة بين زيمبابوي والعالم، وانفجر الصراعُ على الساحةِ السياسية في الداخل لأنّ الأراضي المنزوعةَ لم تكن تذهبُ لعامة الشعب وإنّما للمقربين من الرئيس. منذ ذلك الوقتِ وبريطانيا تنتظر الفرصةَ المناسبةَ لتنقضَّ على هذه الدولةِ الإفريقيةِ الغنية بالمواردِ الطبيعية، لتقود حملة ضد موغابي انتقامًا منه لنزعه الأراضي من البيض. يلفت حماس بريطانيا لهذا التغييرِ الذي تنتظره منذ زمنٍ إلى أنّ قلقها على الديمقراطية في زيمبابوي لم يكن ليظهر بذات الأهمية لو أنّ موغابي حافظَ على امتيازاتِ البيض، وذلك في الوقت الذي تغضُّ فيه الطرف عن كثيرٍ من المستبدين في إفريقيا ومنهم من لم يكن كحال موغابي الذي تم انتخابُه أكثر من مرة، بل من أولئك المستبدين من انقلب على الشرعيةِ وجاء إلى الحكم على ظهر دبابة.

وبالرغم من أنّ تنصيب منانغاغوا بثّ الأمل في نفوس شعب زيمبابوي، إلّا أنّه بدأت ترتسم علاماتُ استفهام حائرة بشأن التجديد الذي يمكن أن يقدّمه لزيمبابوي. وهذا مردّه إلى أنّ سيرته السياسية التي خلفت نضاله وقتاله في حرب التحرير، حفلت بالعنف ضد المعارضين في بلاده إبان شغله منصبَ وزيرِ الأمن الوطني في ثمانينيات القرن الماضي، حيث وصلت حصيلةُ الضحايا إلى 20 ألفَ قتيل تقريبًا.

روبرت موغابي الذي كان ينامُ بعينٍ واحدةٍ مفتوحة كالتمساح تحسبًا للمخاطرِ، ولاستكشافِ ما يدور حوله من مكائدَ، سينام نومته الأبديةَ، تاركًا إفريقيا في حالها وبلاده كذلك. فإلى الآن تتبدى الديمقراطية على الطريقة الإفريقية في ثيابِ العسكر. وبالنسبة للتغييرِ المنشود في زيمبابوي فإنّ إيمرسون منانغاغوا الملقبَ ب»التمساح» بسببِ مكرهِ السياسي وشعار حزبه «لاكوست» ما زال يتبنّى القول الإفريقي: «إنّ التمساح لا يترك المياه ليذهبَ للبحث عن الطعام، بل ينتظر بصبرٍ لتأتي فريستُه إليه، ويضربَ في الوقتِ المناسب».

 

شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .
جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .