دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الثلاثاء 25/2/2020 م , الساعة 12:33 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
الصفحة الرئيسية : اّراء و مقالات : المنتدى :

تفكك «الترويكا الحاكمة» يهدّد ترتيبات الانتقال السوداني

تفكك «الترويكا الحاكمة» يهدّد ترتيبات الانتقال السوداني
  • عاد الغموضُ مرةً أخرى يحيطُ بمستقبل السودان السياسي وسط مُعطيات متزايدةٍ تشير إلى أن صمود ترتيبات الفترة الانتقالية بات محلّ شكوك

بقلم/ خالد التيجاني النور ..

بعد أقلّ من عام من سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير، ومرور ستة أشهر فقط على الاتفاق السياسيّ والوثيقة الدستورية بين المكوّنات العسكريّة والمدنيّة حول أجندة وهياكل إدارة الفترة الانتقاليّة بشراكة لنحو ثلاث سنوات تنتهي بإجراء انتخابات عامة، عاد الغموضُ مرةً أخرى يحيطُ بمستقبل السودان السياسي وسط مُعطيات متزايدةٍ تشير إلى أن صمود ترتيبات الفترة الانتقالية بات محلّ شكوك في ظلّ تحديات جمّة تُواجه الحكومةَ الانتقالية على الصّعد كافة في إدارة شؤون الحكم، يزيد من تعقيداتها تفكّك تماسك عرى الشراكة، الضامن الأساس لإنجاحها، التي جمعت ترويكا الانتقال الحاكمة التي أفرزها توازنُ القوة والمُستندة إلى ثلاثة أضلاع هي القوات المسلحة، وقوات الدعم السريع، والحكومة المدنية وحاضنتها السياسيّة قوى الحرية والتغيير.

ولعلّ السبب الرئيس الذي يقف وراء هذه التطورات المُتسارعة المنذرة بتغيير وشيك في قواعد اللعبة التي تحكم ترتيبات الفترة الانتقالية، يعود إلى تحوّل الشراكة المفترضة بين ترويكا الانتقال من ضامن لتعاون وثيق منتج بين أطرافها الثلاثة ملتزم بالأسس التي أرستها الوثيقة الدستورية، إلى تنافس بينها في سباق مكشوف لتعديل موازين القوة بما يخدم أجندة كل واحد من أطرافها الثلاثة في السيطرة من أجل تحقيق الطموحات السياسية لقادتها على حساب المصلحة الوطنية العامة التي كانت متوخّاة من هذه المعادلة لقيادة انتقال البلاد من نظام شمولي قابض وتهيئتها لتحوّل ديمقراطي مرجو.

كان ظاهر الأمر عندما تم تركيب معادلة الانتقال هذه عقب سقوط نظام البشير، بعد مفاوضات شاقة وسط تقلبات حادة قادتها وساطة الاتحاد الإفريقي المدعومة دوليًا دامت نحو خمسة أشهر، أنها تهدف لتحقيق توازن بين ما كان يعرف إجمالًا بالمكوّنَين العسكري والمدني، بافتراض أنهما يمثلان قمة التناقض في المعادلة السياسية السودانية. غير أنّه ما لبث أن تبيّن أن هذا الافتراض بثنائية الصراع السياسي على السلطة لا يعكس في واقع الأمر حقيقة أن التناقضات التي تحملها داخل كل مكوّن أعمق بكثير وأبعد أثرًا من توقعات الأطراف الخارجية التي أسهمت ضغوطها، وأجندة بعضها ومصالحه، في فرض هذه الصيغة لشراكة عسكرية مدنية سرعان ما تبيّن مدى هشاشتها، وعجزها عن الوفاء باستحقاقات الفترة الانتقالية، ولم تكد تمرّ ستة أشهر فقط حتى أثبتت عدم فاعليتها، إن لم نقل جدواها، وتكاثرت المؤشرات على ضعف قدرتها على الاستمرار، في وقت بدأ الحديث عن تكهنات السيناريوهات البديلة لا يثير الاستغراب.

وبنيت معادلة الانتقال على أساس أن المكوّن المدني في هذه الشراكة، الذي كانت قوته المستندة إلى تماسك قيادته وقدرته على تحريك قاعدته الشعبية، هي التي يعوّل عليها في ضمان استمرار الحالة الثورية وتعزيز السيطرة المدنية على سلطة الانتقال، وقد ضمنت الوثيقة الدستورية على مستوى النصوص كل ما يلزم لقيامها بهذا الدور، وما يضعف قبضة وسلطة المكوّن العسكري في هذه الشراكة باقتصاره على دور شرفي، بيد أن المفارقة جاءت من أن الطرف المدني، من بين ترويكا الانتقال، كان هو الأسرع في فقدان تماسكه والدخول في حالة تشرذم أضعفت دوره إلى حد كبير على خلفية انفجار صراعات مبكرة بين مكوّناته بدأت بانسلاخ الجبهة الثورية، التي تضم عددًا من حركات المعارضة المسلحة، من تحالف قوى الحرية والتغيير ودخولها في تفاهمات مع الجانب العسكريّ، ولم تنتهِ باحتجاج الحزب الشيوعي على مجمل الترتيبات الانتقالية بحسبانها انتصارًا لتيار «الهبوط الناعم» على حساب التغيير الجذري الذي يتبنّى خطه.

أسهم هذا التشاكس وسط قوى الحرية والتغيير، مع افتقاره لبنية قيادية وتنظيمية فاعلة، في إضعاف تأثيره على الأحداث، وبقي اسمًا تتجاذبه أجندة حزبية متصارعة، وأضحى مكونه الأساس «تجمع المهنيين»، الذي كان يملك كل كروت تحريك الشارع، باهت الوجود والتأثير وافتقد هذه الخاصية، في ظل تواضع أداء الحكومة المدنية وعجزها المتزايد عن النهوض بأعباء إدارة دولاب الدولة، وسط أوضاع اقتصادية متردية، واحتقان اجتماعي مُتزايد، تراجعت معه الشعبية الكاسحة التي كانت تتمتع بها بادئ الأمر، وفي غياب دور معلوم لقوى الحرية والتغيير في دعم الحكومة التي اختارتها، وتمثل حاضنتها السياسية، أو بالأحرى تحوله إلى دور المتفرج، وأحيانًا المعارض، إلى درجة تسيير مظاهرات احتجاجية عليها من قاعدتها الشعبية المفترضة، فقدت الحكومة المدنية ملامحها تمامًا حتى لم يعد يعرف من تمثّل على وجه التحديد، ولذلك تضاءلت الآمال في قدرتها على الاستمرار بالقيام بواجبها لا سيما في ظل انصراف المجتمع الدولي عن تقديم مساعدات اقتصادية عاجلة تمسّ الحاجة لها.

وعلى الجانب الآخر فإن المكوّن العسكري في هذه المعادلة ليس أحسن حالًا، فمع ارتياحه على نحو ما لفشل المكوّن المدني وتحميله مسؤولية العجز عن التصدي لمطالب المواطنين، ومسارعته إلى نعي شراكة الانتقال مع الجانب المدني واتهامه بعرقلة مساعي العسكريين للمشاركة في تقديم حلول للأزمات التي تحيط بالمواطنين، إلا أن هناك شواهد كثيرة بأن المكون العسكري الذي كان يستند إلى جناحَي القوات المسلحة بقيادة البرهان والدعم السريع بقيادة حميدتي لم يعد على قلب رجل واحد، إذ إن الموقف من المدنيين وحده ليس كافيًا للحفاظ على وحدة موقفهما، مع حدة التنافس بينهما الذي يغذيه بروز الطموحات السياسية لكليهما، فضلًا عن الصراع المكتوم بين القوتَين في احتكار القوة ولعب دور أكبر في الساحة، وهو ما يُثير على نحو خاص حفيظة القوات المسلحة التي ظلت تحتكر هذا الدور.

وقد بدا ملاحظًا تراجع النفوذ والدور البارز الذي ظل حميدتي يلعبه منذ حدوث التغيير، في حين بدأت كفة الميزان تميل لصالح الرهان الذي سجل اختراقًا كبيرًا لصالحه في هذا التنافس بكسبه دعمًا خارجيًا حاسمًا بعد مقابلته نتنياهو في عنتبي، وظهوره كرجل واشنطن وتل أبيب القوي في السودان، ولعل هذا ما أثار قلق حميدتي الذي أظهر في مقابلة تلفزيونية قلقه الشديد من هذه التطوّرات إلى درجه دعوته إلى الاتفاق على ميثاق شرف لمنع حدوث انقلاب. وفي كل الأحوال، فقد باتت الساحة السودانية مهيأة لتغيير ما في معادلة الانتقال الراهنة، تجري هندسته بتنسيق مع بعض عواصم القرار الدولي، ليس واضحًا أبعاده، لكن المؤكّد أنه سيرتكز على دور محوري للمؤسّسة العسكرية الرسمية.

كاتب وصحفي سوداني

khalidtigani@gmail.com

شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .
جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .