دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الأربعاء 11/3/2020 م , الساعة 12:49 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
الصفحة الرئيسية : اّراء و مقالات : المنتدى :

ثورة 1919 في ذكراها !

جاءت أجيال تنظر لثورة 1919 على أنها «مشاجرة
ثورة 1919 في ذكراها !
بقلم : سليم عزوز..

لم تكن ثورة 1919، مُنبتّة الصلة بما قبلها، فقد كانت امتداداً للثورة العرابيّة، وقد شارك زعيمها سعد زغلول شاباً في هذه الثورة، وظل مُخلصاً لها ولرجالها، إخلاصاً حرمه من الوظيفة الحكوميّة، فقبل العمل بالمُحاماة، مع أنها كانت حينذاك وظيفة مرذولة، يشتغل بها الأنطاع، لكنّ سعداً عندما عمل محامياً ارتفع بهذه المهنة مكاناً عالياً!

بيد أن ثورة 19 ظُلمت مرتين، الأولى على يد أعدائها ومحاولة تشويهها كعمل وطني جبار فاجأهم، وكانوا يظنون أن المصريين ليست لديهم رغبة في مواجهة المُستعمر، ويفتقدون الإرادة للقيام بهذا الدور الوطني، فلما قامت، وجدوا أنه من المُناسب تشويهها وتشويه زعيمها سعد زغلول، لضرب الشعور بالعزة الوطنيّة!

أما الظلم الثاني، فقد كان بالترك وعدم الاهتمام، في مرحلة حكم العسكر الممتدّة إلى الآن، وحركة ضباط الجيش في سنة 1952. ثم إن حزب «الوفد» كان من يُمثلها، ويعدّ الامتداد لها، وقد كان «النحاس» باشا، عضو الوفد الذي تشكل في البداية لتمثيل الأمة، لا يزال على قيد الحياة، ويتزعم «الوفد» حزب الأغلبية، الذي كان لا يُراد للحياة النيابيّة أن تعود حتى لا يعود بإرادة الجماهير للحكم!

وإذا كان «خالد محمد خالد» كتب في مذكراته، أن حركة ضباط الجيش في يوليو 1952، هي انقلاب على ثورة بدأت بحكم «الوفد» في سنة 1950، وبإعلان النحاس سحب توقيعه على معاهدة 1936، فإنني أرى أنها انقلاب على ثورة 1919، التي كانت تحقق مطالبها منذ وقوعها بالتدريج، فكان دستور 1923 واحداً من إنجازات هذه الثورة العظيمة، وبدت الأمور تميل إلى تحقيق المطلب الأعظم وهو الجلاء الكامل للاحتلال الإنجليزي، عندئذ قطعت الإمبراطورية الأمريكية الناشئة الطريق بدعم حركة ضباط الجيش، حتى لا يكون جلاء المستعمر محققاً لإنجاز عظيم، وهو حق الشعب في اختيار حاكمه.

ومع عملية الترك هذه، غابت ثورة 19 عن الأذهان، حتى جاءت أجيال ربما تنظر إليها على أنها «مشاجرة» في حانة، أو معركة في حارة؛ لأن حضور هذه الثورة العظيمة في الأذهان من شأنه أن يعزّز الشعور بالامتلاء الوطني، والقدرة على المقاومة، وهو ما لا تريده قوى الاستعمار العالمي، كما لا تريده الأنظمة التي أقيمت على أنقاضها بعد ذلك، باعتبارها امتداداً لهذه الهيمنة. ثم إن هذا الشعور من شأنه أن يدفع لرفض الظلم، من الأنظمة (شبه الوطنية)، التي ورثت البلاد بعد حقبة الاستعمار المباشر، والذي رأت أن البلاد بوجود العسكر في أيدٍ أمينة!

إن ثورة 1919، هي ثورة شعب، بنخبته ومواطنيه، بباشواته وبكاواته، وفلاحيه، بعسكره وقضاته، ومحاميه، بمسلميه ومسيحييه، هي ثورة تجلت فيها الإرادة المصرية بشكل غير مسبوق. وقد كانت ثورة عرابي ثورة فئويّة، لم يشارك فيها الشعب كله. واندلعت شرارة ثورة 1919 احتجاجاً على نفي زعماء الأمة وممثليها، بعد مطالبتهم بالاستقلال بزعامة سعد زغلول، الذي كانت «مزاياه جميعها هي مزايا المصري القوي»، الذي هو «في خلائقه العملية، وفكاهته الحاضرة واعتداده بالأسرة وكراهته للغفلة وإيمانه بالغيب، مصري فلاح من طينة المصريين الفلاحين»، بحسب ما قاله «عباس محمود العقاد» الذي اقترب منه وتعامل معه عن قرب، في كتابه «سعد زغلول: سيرة وتحية»، والذي كتب أيضاً: «إن جيل سعد كان بمشيئته وبغير مشيئته أقرب إلى الوطنية المصرية الصحيحة من الجيل الذي لحق به في أوائل عهد الاحتلال البريطاني»، وأنه «من عظماء العالم الذين تتجلى توفيقات التاريخ في بيتهم ونشأتهم تجلياً في حوادث زمانهم».

إنه ابن الأزهر والكتّاب، الذي خطب الجمعة على منبر الأزهر بعد رحلة له في أوروبا سنة 1921 وقال فيها: «جئت اليوم لأؤدّي فرض صلاة الجمعة في هذا المكان الشريف، وأقدّم واجبات الاحترام لمكان نشأت فيه وكان له فضل كبير في النهضة الحاضرة، وفيه تلقيت مبادئ الاستقلال...».

ويعدّ «سعد زغلول» ظاهرة فريدة، فقد جاءته الزعامة على كبر، وبدا قبلها غير مهتم بالسياسة. ويقول «خالد محمد خالد» في كتابه «دفاع عن الديمقراطية»، إنه أصيب شاباً بالإحباط بعد فشل الثورة العرابية، واستولى عليه اليأس، فذهب يهتم بتكوين نفسه، ويكمل تعليمه، لكن الأمر اختلف عندما حضرت الجماهير.

إن «العقاد» له تفسير مهم في محاولة فهم هذه الشخصية الفذة، الذي رشحته الحوادث لزعامة الأمة بأسرها، فهو «عند الإنجليز لم يعترف بالحماية ولم يسكت إلا في انتظار الفرصة التي يفيد فيها الكلام».

فقد شكل وزميله في مكتب المحاماة «حسن أفندي صقر» جماعة سرية سمياها «جماعة الانتقام»، لقتل الشهود والجواسيس الذين خانوا ثورة عرابي والرؤساء الذين نكلوا بالعرابيين، وألقي القبض عليهما، وبرأتهما المحكمة بعد عدة شهور قضياها في السجن، لعدم كفاية الأدلة.

لقد ظل وفياً للعرابيين بعد نفيهم في الخارج يراسلهم ويراسلونه، ويعتمدون عليه في قضاء حوائجهم، وكان بعد الثورة العرابيّة قد فكر في كل شيء بما في ذلك الهجرة من مصر، ولم يفكر في مجاراة الوضع العام، ونسيان الأصدقاء!

وقد كان مهتماً بمساعدة كل ما يساعد على إيقاظ الحمية الوطنيّة، وكان يرى أهمية التعليم في ذلك، فكان له دور مهم في بعث الجامعة المصرية. وقد ساعد صديقه الشيخ علي يوسف بالمال لاستمرار صدور صحيفته التي كانت تعبّر عن الوطنية المصريّة، كما أيد الزعيم مصطفى كامل وغيره من كتّاب الصحافة حتى يكملوا مهمة إيقاظ روح الأمة.

وظل بعيداً عن العمل السياسي المباشر، إلى أن جاءت الفرصة. وكان هذا بعد أن ألقت الحرب العالمية الأولى أوزارها، فدعا بعد الهدنة عدداً من وجهاء زمانه في لقاء بمسجد «وصيف» لدراسة مطلب الاستقلال التام، ثم انتقل بهذه الاجتماعات إلى بيته، وقد تزايدت أعداد الحاضرين من باشوات وغيرهم، وتشكل الوفد المصري، وكان دستوره يقوم على مطلب الاستقلال التام، والنضال بالطرق السلميّة المشروعة. وبادروا بمقابلة المعتمد البريطاني، وكان هذا في نوفمبر 1918، فلما سمع من الوفد كلمة الاستقلال صاح كأن عقرباً لدغه، لكنّ سعداً ورفاقه أكدوا على هذا المطلب، ولم يتوقف عن مخاطبة الحكومة البريطانية به والإصرار عليه!

وهكذا بدأت أم الثورات المصريّة وأعظمها، والتي حاول العسكر بالترك أن يوحوا كما لو كانت مشاجرة في حانة.

ألا شاهت الوجوه.

كاتب وصحفي مصري

[email protected]

شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .
جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .