دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الجمعة 1/2/2019 م , الساعة 2:55 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
الصفحة الرئيسية : الراية السياسية : قضايا :

«لحظات باقية» ديوانه الوحيد

إدريس جماع .. شاعر سوداني منسي عربياً

لا يقل شاعرية عن عبد الصبور والنواب والجواهري.. والعقاد أشاد بقصائده
يحترم الواقع في شعره ويأبى التحليق في متاهات الأوهام
يميل إلى الجديد بهدف الابتكار ويحب الإنسان وينفعل للطبيعة
قصة حب فاشلة أفقدته صوابه وقضى بقية حياته في مصحة نفسية
إدريس جماع .. شاعر سوداني منسي عربياً
  • قصائده كانت تغنى في المحافل وتُتلى في المنتديات السودانية
  • كبار المطربين السودانيين غنوا بعض قصائده العذبة الندية

 

 كتب - حامد إبراهيم:

إدريس محمد جَمَّاع شاعر سوداني مرموق له العديد من القصائد المشهورة التي تغنّى ببعضها عدد من المطربين السودانييّن، وأُدرج بعضها الآخر في مناهج التربية والتعليم المتعلقة بتدريس آداب اللغة العربية في السودان، ورغم شهرته في السودان كشاعر مرموق وله مكانة خاصة إلا أنه منسي عربيا ولم تهتم به الدوائر الأدبية العربية، وهو لا يقل شاعرية عن صلاح عبد الصبور ومظفر النواب ومحمد مهدي الجواهري، وقد أشاد بشعره الأديب الكبير عباس محمود العقاد.

قضى حياته مذهولا بالجمال مصورا للحسن في قصائده، وشعره يلفه الغموض، الأمر الذي جعل الرواة ينسجون أساطير حول قصائده الحزينة والظروف التي قيلت فيها وأنها السبب في فقدان الشاعر لعقله بلوثة من الذهول في آخر عمره قبل أن يسلم الروح إلى بارئها عام 1980.

نشأة دينية

ولد جماع في بلدة حلفاية الملوك بالخرطوم بحري في السودان عام 1922، ونشأ نشأة دينية في كنف أسرته المُحافِظة وكان والده محمد جمّاع بن الأمين بن الشيخ ناصر شيخ قبيلة العبدلاب. وقد بدأ إدريس تعليمه في سن مبكرة في خلوة حلفاية الملوك حيث حفظ القرآن الكريم ثم التحق بمدرسة حلفاية الملوك الأولية في عام 1930، ومنها إلى مدرسة أم درمان الوسطى بمدينة أم درمان في عام 1934 ولكنه لم يكمل الدراسة فيها لظروف مالية، والتحق في عام 1946 بكلية المعلمين ببخت الرضا، ثم هاجر إلى مصر عام 1947 ليدرس في معهد المعلمين بالزيتون، فكلية دار العلوم - جامعة القاهرة لاحقاً والتي تَخرَّج منها عام 1951م حائزاً على درجة الليسانس في اللغة العربية وآدابها والدراسات الإسلامية، ثم التحق بمعهد التربية للمعلمين ونال دبلوم التربية عام 1952.

بدأ الشاعر الراحل حياته المهنية معلماً بالمدارس الأولية بالسودان من عام 1942 وحتى عام 1947، وبعد عودته من مصر عام 1952 عّين معلماً بمعهد التربية في مدينة شندي بشمال السودان ثم مدرسة تنقسي الجزيرة الأولية بأقصى شمال السودان، وأعيد إلى مدرسة الخرطوم الأولية والتي تعد من أقدم المدارس بالسودان ونقل منها إلى مدرسة حلفاية الملوك الأولية حيث موطنه الأصلي. ثم نقل للعمل بمدرسة السنتين في بخت الرضا بمنطقة النيل الأبيض، وفي عام 1956 عمل مدرساً بمدارس المرحلة المتوسطة والمرحلة الثانوية في مختلف مناطق السودان.

أعماله الأدبية

أصدر إدريس جماع ديوان شعر وحيدا باسم لحظات باقية وقال في مقدمته «إن اتجاهي في الشعر ولا أقول مذهبي يحترم الواقع ولكن يريد له الإطار الفني وألا يضمن عليه بالنظرة الجمالية ويساهم في دفع الحياة إلى الأمام ولا يجرد الشعر من أجنحته ولكن يأبى التحليق في أودية المجهول ومتاهات الأوهام ويحب الجديد ليس لأنه جديد ولكن للخلق والابتكار ويحب الإنسان وينفعل للطبيعة، وليس هو رد فعل لاتجاه أو تأكيدا لآخر».

وواصل جماع قائلا: هذا هو الطابع في شعري قد انطبع به شيء عامد أو لم أشأ فتكويني في جملته يتجه بي نحو هذه الوجهة، ولو أردت لشعري غير ذلك لعصاني وشق علي، فهذه القصائد هي من نفسي ومطابقة لها وهي ومضات في حياتي بين الحداثة والكهولة، وأردت لها أن تكون لحظات خالدة.

وفي إحدى قصائده يقول:

من دمى أسكب في الألحان روحا عطرة

ورؤى النفس وأنداء الأماني النضرة

وشجوني وحياة بالأسى مستعرة

خلق الزهر تفنى لتعيش الثمرة

تذهب الساعات من عمري قربانا لفنى

اتبع الموجة طرفي ولها أرهف أذني

وانطباع الزهر في الغدروان يستوقف جفني

وانتفاضات جناحين على أوراق غصن

جماع في وادي عبقر

وكتب الشاعر السوداني الراحل منير صالح عبد القادر تصديرا لديوان إدريس جماع تحت عنوان (إدريس جماع في وادي عبقر) قال إنه عرف الشاعر جماع في أحوال متقلبة وفي أوقات مشرقة وعابسة مبتسمة ومكشرة، مزدهرة ويابسة وقد اقتحم ميدانا كان جديدا عليه وتركني خلفه أرتقب عودته فما ولا تزال قيثارته ووقعها الحزين اسمعها فأزداد شوقا.

وقال إن شعر جماع هو صراع بين العقل فسار الشاعر إلى عالم المثاليات التي أحبها وعاش فيها قبل تحوله وفي عينيه الحزينتين بقايا دموع تنسكب ليروي بها أزهار وادي عبقر وكان في استقباله بنات عبقر يلوحن له بباقات الورود والرياحين وهو مقدم عليهن في وجل متردد، أهازيج الوادي تملأ سمعيه وهو يقدم نفسه لرئيس الجماعة ويصف نفسه فيقول:

هو طفل شاد الرمال قصورا وهي آماله ودك الرمالا

يغلب على موضوع شعر جماع التأمل والحب والجمال والحكمة كما كتب أشعارا وطنية مناهضة للاستعمار، ويتسم أُسلوب شعره برقة الألفاظ والوصف فائق الخيال وكثيرا ما يعبر في شِعره عن وِجدانه وتجاربه العاطفية ووجدان أمته، واصفاً تلك المشاعر الإنسانية فرحاً، وألما، وحزناً، كما يزخر شعره بوصف ثورة الثائر الوطني الغيور على حرية وطنه وكرامة أمته، وربط في أعماله الشعرية بين السودان والأمة العربية والإسلامية، فتناول قضايا الجزائر ومصر وفلسطين، ونظم شعراً في قضايا التحرر في العالم، وقد طارد البؤس «إدريس جماع» حيًا وميتًا؛ حتى أصبح الرائح والغادي ينشد له أشهر أبيات البؤس:

أنا من حقي الحياة طليقا

ليس إلا لأنني إنسان

هي عندي معنى يجل ويسمو

ليس شيئا تحده الأزمان

وإذا عشت في سلام مع النفس

فما همني السرى والمكان

الشعر والإنسان:

حار النقاد والأدباء والشعراء في تفسير ظاهرة الشعر تفسيرًا حاسمًا والإتيان بتعريف جامع مانع، يصطلح عليه الناس ويركنون إليه؛ ذلك أن الشعر وليد النفس الإنسانية ذاتها، تلك النفس التي حار العلماء أيضًا في فهم غموضها وتفسير ظواهرها تفسيرًا قاطعًا على الرغم من كثرة النظريات والدراسات، وقد أسهم إدريس جماع في تعميق هذا الغموض حين وضع تصوره الخاص للشعر من خلال لوحته الرائعة عن الشاعر، وهي اللوحة التي نظر فيها إدريس جماع إلى نفسه؛ فقال:

ماله أيقظ الشجون فقاست

وحشة الليل واستثار الخيالا

ماله في مواكب الليل يمشي

يناجي أشباحه والظلال

هين تستخفه بسمة الطفل

قوي يصارع الأجيالا

حاسر الرأس عند كل جمال

مستشف من كل شيء جمالا

ماجن حطم القيود وصفي

قضى العمر نشوة وابتهالا

خُلِقَتْ طِينَةُ الأَسَى وغشتها

نَارُ وَجْدٍ فَأصْبَحَتْ صَلْصَالا

ثم صاح القضاء كوني فكانت

طِينَةُ البؤسِ شَاعِرًا مثَّالا

عاشق الجمال:

كان الشاعر أسيرًا للجمال، له فيه نظرته الخاصة، وتعبيراته المميزة، جعلته يبدع أحلى القصائد التي تغنى بها الرائح والغادي من أبناء وادي النيل، وحظيت بنصيب وافر من الشهرة؛ منها رائعته التي يقول فيها:

أَعَلى الجَمَالِ تَغَارُ مِنَّا؟!

مَاذَا عَليكَ إذَا نَظَرْنَا؟!

هِيَ نَظْرَةٌ تُنْسِي الوقَارَ

وتُسْعِدُ الرُّوحَ المُعَنَّى

دنياي أنت وفرحتي

ومني الفؤاد إذا تمنى

أنت السماء بدت لنا

واستعصمت بالبعد عنا

الطبيعة الآسرة:

الشاعر الذي يبحث عن الجمال يتأثر بكل مكان يمر به، وكل منظر تقع عليه عيناه، ومن هنا لم يكن غريبًا أن نجد للمكان أثرًا بارزًا في شعر ابن النيل، الذي هام على وجهه بين جنبات النيل وفي واديه، وتنقل بين مدنه وقراه، وقد امتلأت نفسه وعينه من جمال الحياة وجمال الطبيعة، وهذه قصيدته رحلة النيل التي هي واحدة من أروع قصائده؛ وفيها يقول:

النِّيلُ مِن نَشْوةِ الصَّهْبَاءِ سَلْسَلُهُ

وسَاكِنُو النّيلِ سُمَّارٌ ونُدْمَانُ

وخَفْقَةُ الموجِ أشجانٌ تُجَاوبُها

منَ القلوبِ التفاتاتٌ وأشْجانُ

الفنون جنون:

من ينظر بغير عين الفن؛ لا يبصر ما يبصره غيره، وقد قيل: إن الفنون جنون، وكم انخدع الناس في أهل الفنّ فظنوا المجنون عاقلًا نبيهًا، وحسبوا العاقل مخبولًا سفيهًا، وما دروا أن الذَّكاء في الفنّ له خصائصه ومعالمه، ومن لا يدرك ذلك فقد أخطأ ووقع فيما لا يحمد عقباه، فشاعرنا إدريس جماع نال من الأذى ما جعله يضطرب ويفقد صوابه ويقضي من عمره أيامًا وليالي في مصحة نفسية، فقد عاش قصة حبّ فاشلة، أفقدته صوابه وطيرت لبه، فهام في الأرض، وسار في شوارع مدينته تائهًا؛ ولعل إدريس كان ينقل لنا طرفًا من هذه التجربة المؤلمة؛ حين يقول:

في رَبيعِ الحُبِّ كُنَّا نَتَسَاقَى ونُغَنِّى

نَتَنَاجَى ونُنَاجِي الطَّيرَ مِنْ غُصْنٍ لِغُصْنِ

ثُمَّ ضَاعَ الأمسُ مِنِّي وانْطَوَتْ بِالقَلْبِ حَسْرَة

ألحان وطنية:

ارتبط الوجدان السوداني بشاعرية (إدريس جماع)، فكانت قصائده تغنى في المحافل وتتلى في المنتديات؛ وقام كبار المطربين السودانيين بغناء بعض قصائده العذبة الندية؛ غير أن وطنيته قد ألهبت حماس المواطنين من خلال أشعاره الرائعة التي تحدثت عن المقاومة؛ كقصيدته التي مطلعها:

أُمَّةٌ لِلمَجْدِ والمَجْدُ لَها

وثَبَتْ تُنْشِدُ مُسْتَقْبَلَها

وفيها يقول:

أيّهَا الحَادِي انْطَلِقْ واْصْعَدْ بِنَا

وَتَخَيّر فِي الذُّرَا أطْوَلَهَا

نَحْنٌ قَومٌ لَيسَ يُرْضَي هَمَّهُمْ

أنْ يَنَالوا في العُلا أسْهَلَهَا

وكانت قصيدته (من سعير الكفاح) ينشدها الخطباء والثوار؛ وفيها يقول:

يَظُنُّ العَسْفَ يُورِثُنَا الضّياعَا

فَلا واللهِ لنْ يَجِدَ انْصِياعَا

ولا يُوهِي عَزَائِمَنَا وَلَكِنْ

يَزِيدُ عَزيمةَ الحرِّ انْدِفَاعَا

سَنَأخُذُ حَقَّنَا مَهْمَا تَعَالَوا

وإنْ نَصَبُوا المدَافِعَ والقِلاعَا

طَغَى فَأعَدَّ للأحْرَارِ سِجْنًَا

وَصَيَّرَ أرْضَنَا سِجْنًَا مُشَاعَا

هُمَا سِجْنَانِ يَتَّفِقَانِ مَعْنَىً

وَيَخْتَلِفَانِ ضِيقًا واتِّسَاعَا

إنَّ حَظّي كدقيقِ فوقَ شَوكِ نَثَرُوهْ

ثمَّ قَالوا لحفَاةٍ يومَ رِيحٍ: اجمَعُوه

صَعُبَ الأمرُ عليهمْ، ثمَّ قَالوا: أتْرُكُوه

إنَّ مَنْ أشْقَاهُ رَبّى؛ كيفَ أنْتُمْ تُسْعِدُوه؟!

وفقاً للدكتور تاج السر الحسن الذي شارك في الإشراف على طباعة ديوان جمّاع فإنّ شِعر جمّاع يقع في إطار الشعر التراثي والديواني العربي. فجمّاع شاعر من المَدرسة العربيّة الابتدائية وهو من روَّاد التجديد الشعري في العالم العربي ومن شعراء مدرسة الديوان على وجه الخصوص ضمن مجموعة عبد الرحمن شكري والعقاد وإبراهيم المازني.

وقال عنه الدكتور عبده بدوي في كتابه «الشعر الحديث في السودان» إنّ أهمّ ما يميّز الشاعر جمّاع هو إحساسه الدافق بالإنسانية وشعوره بالناس من حوله ولا شك في أن هذه نغمة جديدة في الشعر السوداني.

وكتب عنه الدكتور عون الشريف قاسم قائلاً «لقد كان شعر جمّاع تعبيراً أصيلاً على شفافيته الفائقة والتي رسمت لنا الكلمات وأبرزت بجلاء حسه الوطني».                 

شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .
جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .